حزنت كثيراً عندما قرأت عن شاب أعلن عبر مواقع التواصل الاجتماعي أنه لم يعد يحتمل والدته، وأنه يريد إيداعها في دار للمسنين، لم أحزن فقط من القصة، بل توقفت طويلاً أمام السؤال الأصعب كيف وصل بنا الحال إلى أن تصبح الأم التي أفنت عمرها من أجل أبنائها عبئاً يريدون التخلص منه؟
قد تكون لكل أسرة ظروفها، وقد تكون هناك تفاصيل لا نعرفها، ولذلك لا يجوز أن نحكم على أشخاص من خلال منشور أو مقطع على مواقع التواصل، لكن القضية التي تستحق أن نتوقف أمامها هي قيمة الأم في حياتنا، ومكانة بر الوالدين في ديننا ومجتمعنا.
كيف يمكن لشاب أن ينسى أن هذه المرأة حملته تسعة أشهر في أحشائها، وتحملت آلام الحمل والولادة، ثم أرضعته ورعته وسهرت على راحته؟ كم ليلة نام فيها الابن مطمئناً بينما كانت أمه مستيقظة خوفاً عليه؟ وكم مرة تنازلت عن راحتها واحتياجاتها من أجل أن توفر له حياة أفضل؟
الأم لا تنتظر من أبنائها أن يعيدوا لها ما قدمته، ولا تكتب قائمة بما فعلته من أجلهم، هي تعطي بالفطرة، وتحب بلا حساب، وتفرح بنجاح أبنائها وكأن نجاحهم نجاحها.
لكن المؤلم أن بعض الأبناء عندما تكبر أمهاتهم، ويصبحن في حاجة إلى الرعاية والاهتمام، يبدأون في التعامل معهن وكأنهن عبء ثقيل.
أمك.. ثم أمك.. ثم أمك، ديننا الحنيف لم يترك لنا مجالاً للشك في مكانة الأم.
فعندما سُئل النبي محمد ﷺ: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك».
ثلاث مرات للأم، وكأن الرسالة واضحة: لا تنسوا من حملتكم، وربّتكم، وسهرت من أجلكم.
ويقول الله تعالى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا».
ويقول سبحانه: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا».
فبر الوالدين ليس فضلاً نقدمه لهما عندما تسمح ظروفنا، وإنما واجب وخلق ودين.
عندما تكبر الأم.. الأم التي كانت تحمل طفلها على ذراعها، يأتي يوم تحتاج فيه إلى من يمسك بيدها.
الأم التي كانت تطهو لأبنائها، قد يأتي يوم لا تستطيع فيه الوقوف طويلاً في المطبخ.
الأم التي كانت تسهر بجوار طفلها عندما يمرض، قد يأتي يوم تحتاج فيه إلى ابن يسهر بجوارها، وهنا يظهر معدن الأبناء الحقيقي.
فالأم لم تتخل عن ابنها عندما كان صغيراً لا يستطيع الاعتماد على نفسه، فلماذا يتخلى عنها عندما تكبر وتحتاج إليه؟
ليس المطلوب من الابن أن يكون مثالياً، ولا أن يخلو بيته من الخلافات، فالأسر تعرف التعب والاختلاف وسوء الفهم، لكن هناك فرقاً كبيراً بين الخلاف وبين العقوق، وبين أن يحتاج الوالدان إلى رعاية متخصصة وبين أن يشعر الوالد أو الوالدة بأن أبناءهما تخلوا عنهما.
دار المسنين ليست عيباً.. لكن التخلي هو المؤلم، علينا أيضاً أن نكون منصفين.
قد يصل بعض كبار السن إلى مرحلة يحتاجون فيها إلى رعاية طبية أو تمريضية متخصصة لا يستطيع الأبناء توفيرها في المنزل، وقد تكون دور الرعاية المتخصصة في بعض الحالات خياراً ضرورياً ومفيداً.
لكن الفرق كبير بين أن تكون الرعاية المتخصصة وسيلة لحماية الأم وخدمتها، وبين أن تصبح دار المسنين وسيلة للتخلص منها لأنها أصبحت، في نظر البعض، عبئاً.
المشكلة ليست في المكان، وإنما في القلب الذي يتخلى.
حتى لو احتاجت الأم إلى رعاية خارج المنزل، يجب ألا تشعر للحظة أنها أصبحت بلا أهل أو بلا أبناء.
ماذا تركنا لأبنائنا؟ ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: ماذا نعلم أبناءنا اليوم؟
نعلمهم كيف ينجحون في الدراسة والعمل، وكيف يحققون المال، وكيف يستخدمون التكنولوجيا، وكيف يبنون مستقبلهم.
لكن هل نعلمهم كيف يبرون آباءهم؟
هل نعلمهم أن الأم ليست مجرد شخص يعيش معنا، وإنما نعمة قد لا نعرف قيمتها إلا بعد أن نفقدها؟
هل نعلمهم أن كلمة طيبة للأم قد تكون أعظم عندها من هدية غالية؟
وهل نعلمهم أن الحضارة الحقيقية ليست في الأبراج والسيارات والمظاهر، وإنما في الإنسان وأخلاقه ورحمته بأهله؟
لا تنتظروا الندم.. إلى كل ابن لديه خلاف مع أمه، لا تجعل الخلاف أكبر من سنوات عمرها.
وإلى كل من يشعر أن والدته أصبحت كثيرة الطلب أو كثيرة الشكوى، تذكر أنها ربما وصلت إلى العمر الذي تحتاج فيه إلى الصبر الذي كانت تمنحك إياه وأنت طفل.
وإلى كل من لديه أم على قيد الحياة، لا تنتظر مناسبة لتقول لها «أحبك».
اجلس بجوارها.
اسألها عن يومها.
اقبل يدها.
اتصل بها.
اصطحبها معك.
واسمع حديثها حتى لو سمعته عشرات المرات.
فسيأتي يوم تتمنى فيه لو عادت دقيقة واحدة لتسمع صوتها.
الأم نعمة لا تعوض.. نحن لا نعرف قيمة بعض النعم إلا عندما نفقدها.
وقد يبحث الإنسان طوال حياته عن المال والنجاح والشهرة، ثم يكتشف في النهاية أن أجمل ما كان يملكه هو أم كانت تنتظره عند باب البيت.
الأم ليست حملاً نتخلص منه عندما تكبر.
الأم عمر كامل من العطاء.
ومن المؤلم أن تتحول المرأة التي كانت تخاف على أبنائها من نسمة الهواء إلى امرأة تخاف أن يتخلى عنها أبناؤها.
فلنراجع أنفسنا قبل فوات الأوان.. فالمال يعوض، والبيت يعوض، والعمل يعوض، وأشياء كثيرة يمكن أن تعود بعد فقدانها.
أما الأم.. فإذا رحلت، لن يعوضها العالم كله.
بروا أمهاتكم قبل أن يصبح الندم بلا فائدة.
فالأم التي حملتك تسعة أشهر، وأرضعتك عامين، وسهرت على راحتك سنوات، إلا تستحق منك في شيخوختها ابسط الأمور وهي الرحمة.














