الحياة حكايات وأسرار وخبايا لا يعلم بها إلا الله، وراء كل وجه قصة، ووراء الأبواب المغلقة مآسي يندى لها الجبين، وتقشعر من هولها الأبدان، والحقيقة أن الوجوه وتقاسيمها لا تكشف بدقة ما يعاني منه أصحابها، ولم تعد معياراً دقيقاً للقياس.
ليس كل من يبتسم سعيدًا، وليس كل من يؤكد أنه بخير يعيش حالة جيدة بالفعل، هناك أشخاص نلتقي بهم يوميًا يظهرون أمامنا بمظهر الفرحة، يضحكون ويتحدثون ويؤدون أعمالهم كما لو أن حياتهم تسير بسلاسة، بينما يحملون في قلوبهم قصصًا من الألم لا يعلم بها أحد.
الأب الذي يخرج كل صباح للإيفاء بمسؤوليات أسرة بأكملها، ويعود مبتسمًا لأبنائه ليحميهم من ثقل الحياة، أو الأم التي تخفي تعبها وراء اهتمامها المتواصل بأسرتها، مؤجلةً احتياجاتها وأحلامها للحفاظ على استقرار منزلها، وسعادة أبناءها.
الموظف الذي يجلس بجوارك ويشاركك الضحكات، بينما ذهنه محاصر بكيفية تسديد الفواتير أو تدبير راتبه حتى نهاية الشهر، وهناك من فقد عزيزًا ولكنه يكتم حزنه لأن الناس لا يواصلون الدعم للحزانى طويلاً.
الحقيقة أننا نبرع في الحكم على الآخرين من خلال مظهرهم الخارجي، دون إدراك معاركهم الخفية، قد تظن أن صديقك الذي ابتعد عنك متعجرف، لكن الحقيقة قد تكون أنه يمر بأوقات لا يستطيع فيها ترتيب أفكاره، والشخص الذي يبدو وكأنه تغير ربما يكون بسيطًا مجهدًا لدرجة يصعب عليه الشرح.
قد تصادف شخصًا محطمًا دون أن تدرك أن كلمة طيبة منك يمكن أن تجعل يومه أقل قسوة، في زمنٍ أصبحت العلاقات فيه سريعة والاهتمام نادرًا، نحن بحاجة إلى تعلم كيف نسأل عن الآخرين بصدق، ونبث في أرواحهم المثقلة بالهموم الطمأنينة.
المسألة ليست مجرد سؤال سريع مثل «كيف الحال؟»، ثم المغادرة سريعا قبل سماع الإجابة، بل أن نتوقف وننظر في عيني الشخص أمامنا ونقول له: «إذا كنت لست بخير، أنا هنا لأجلك»، وسوف أبذل قصارى جهدي لتخفيف الأحمال عن كاهلك وعودة السكينة إلى نفسك المتعبة.
الحقيقة أن كل منا له همومه وأحزانه التي تؤرق حياته، وتزلزل سكونها، وقد لا نستطيع حل مشاكل الآخرين أو تغيير ظروفهم، لكن يمكننا على الأقل ألا نزيد من آلامهم، ونستمع لشكواهم باهتمام وتقدير لنتمكن من توصيل رسالة واحدة مفادها أطمئن لست وحدك.
فلنكن أكثر رحمةً في أحكامنا ولطفًا في كلماتنا تجاه أولئك الذين يظهرون أقوياء، وغالبًا ما يكون الأشخاص الذين لا يطلبون شيئًا هم الأكثر حاجة للدعم والمساندة، والقلوب الأكثر ألمًا هي التي تستمر في الابتسام.
لنتعامل برفق مع أولئك الذين يظهرون بخير، حيث أن بعض المعارك لا يدركها سوى أصحابها، وربما كل ما يحتاجه شخص على وشك الانهيار هو أن يجد شخصًا واحدًا يقول له بصدق: «أنا أرى تعبك ولن أتركك وحدك».














