أحيانًا أشعر أن الموت ليس هو أكثر ما يخيف في هذه الحياة، المخيف حقًا أن يموت الإنسان وهو ما زال يمشي بيننا، أن تستيقظ صباحًا، ترتدي ملابسك، تذهب إلى عملك، تجلس وسط الناس، تبتسم لهم، وتعود إلى بيتك، بينما شيء عميق في داخلك لم يعد موجودًا.
هناك أناس ماتوا منذ سنوات، لكنهم ما زالوا يعيشون معنا أكثر من كثير من الأحياء، نسمع أصواتهم في ذاكرتنا، نتذكر ضحكاتهم، مواقفهم، كلماتهم الصغيرة التي كنا نمر عليها دون اهتمام، ثم نكتشف بعد رحيلهم أنها كانت أشياء ثمينة لا يمكن استعادتها.
نشتاق إلى شخص كان يطرق بابنا دون موعد، إلى صوت كان يسألنا: «أنت كويس؟»، إلى يد كانت تربت على أكتافنا وقت الخوف، إلى حضن كنا نظنه حقًا مكتسبًا ولن ينتهي أبدًا.
ثم يأتي الغياب، فجأة يصبح الكرسي الذي كان يجلس عليه فارغًا، والهاتف صامتًا، والبيت أوسع مما ينبغي، والذكريات أثقل من قدرتنا على الاحتمال، عندها نفهم أن بعض الناس لا يموتون حين تدفن أجسادهم، وإنما يموتون فقط عندما ننساهم.
لكن في الجهة الأخرى، هناك أحياء فقدوا شيئًا لا يراه أحد، فقدوا أنفسهم، أناس أرهقتهم الحياة حتى لم يعد لديهم ما يكفي من القوة ليحلموا.
أناس خذلتهم الأيام، وأوجعتهم الخسارات، وأجبرتهم الظروف على ارتداء قناع القوة كل صباح، بينما هم في الداخل يتمنون فقط أن يجدوا من يقول لهم: «أنا شايف تعبك».
كم إنسانًا نلتقي به كل يوم ولا نعرف أنه يخوض معركة لا يتحدث عنها؟ كم شخص يضحك أمامنا حتى لا يسأل أحد عن وجعه؟ كم أم تخفي دموعها حتى لا يراها أبناؤها ضعيفة؟ كم أب يعود إلى بيته مثقلًا بالهموم، لكنه يبتسم لأطفاله لأنهم لا ذنب لهم في قسوة الحياة؟ كم إنسان ينام كل ليلة وفي صدره كلام كثير لم يجد الشخص الذي يستطيع أن يقوله له؟
لهذا، ربما نحتاج أن نكون أرحم ببعضنا، ليس كل من صمت بخير، وليس كل من ابتسم سعيدًا، وليس كل من ابتعد متكبرًا، أحيانًا يكون الإنسان في أشد لحظات احتياجه إلى يد تمتد إليه، لكنه لا يعرف كيف يطلبها.
وأحيانًا لا يحتاج منك شيئًا سوى أن تجلس بجواره، أن تسمعه، أن تقول له إن وجوده ما زال مهمًا، وإن الحياة رغم كل ما فعلته به تستحق أن يحاول مرة أخرى.
نحن نؤجل أشياء كثيرة وكأن العمر مضمون، نؤجل الزيارة، والمكالمة، والاعتذار، وكلمة الحب، ثم يأتي الموت ليعلمنا أن بعض المواعيد لا تتكرر، أن هناك «آخر مرة» حدثت دون أن نعرف أنها الأخيرة.
آخر مكالمة،آخر ضحكة، آخر جلسة،آخر «خلي بالك من نفسك»،آخر لاتنسى أذكارك، آخر لاتنسى صلاتك، ثم يصبح كل شيء ذكرى.
لذلك لا تنتظروا الموت حتى تعرفوا قيمة الأحياء، ولا تنتظروا الغياب حتى تقولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم، احتضنوا من تحبون، اسألوا عن الغائب، سامحوا من تستطيعون مسامحته، واجبروا خاطر من تستطيعون جبر خاطره.
الحياة ليست في عدد السنوات التي نعيشها، وإنما في عدد القلوب التي مررنا بها وتركنا فيها شيئًا جميلًا، وقد يكون أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الدنيا أن يجعل شخصًا آخر أقل وحدة، وأقل خوفًا، وأكثر قدرة على احتمال الغد.
سيأتي يوم نرحل فيه جميعًا، لن يبق منا بيت، ولا سيارة، ولا منصب، ولا مال، سيبقى فقط ما زرعناه في قلوب الآخرين، سيبقى صوتنا في ذاكرة من أحبونا، ومواقفنا في حكاياتهم، وحناننا في أرواحهم.
وحينها فقط سنعرف الحقيقة، أن بعض الأموات ما زالوا أحياء لأنهم تركوا وراءهم حبًا لا يموت، وأن بعض الأحياء ماتوا لأنهم عاشوا دون أن يتركوا في الحياة أثرًا.
فيا من ما زلت حيًا، لا تكتفِ بأن تتنفس،عِش، أحب، سامح، اجبر خاطرًا، أسعد إنسانًا، واترك خلفك ما يجعل أحدًا يقول يومًا كان وجوده في حياتي نعمة.
رحم الله أمواتًا كانوا كل حياتنا، تأثرنا بهم وأثروا فينا، ورحلوا بأجسادهم منذ سنوات، لكنهم لم يرحلوا من قلوبنا يومًا، ما زالت أماكنهم شاغرة، وما زالت تفاصيلهم تسكن ذاكرتنا، نراهم في ملامح الأشياء، ونسمع أصواتهم في صمت الأيام، ونستعيد مواقفهم كلما احتجنا إلى دفء غاب برحيلهم.
رحم الله من علّمونا أن الغياب لا يعني النهاية، وأن الإنسان قد يرحل عن الدنيا لكنه يترك وراءه حياة كاملة في قلوب من أحبوه، لقد صنعوا بعد حياتهم حياة، وبقيت سيرتهم امتدادًا لوجودهم، وبقي حبهم شاهدًا على أنهم لم يكونوا مجرد عابرين في هذه الدنيا.
رحم الله أمواتنا الذين ما زالوا أحياء فينا، ورحم الله كل من ترك مكانًا لا يستطيع أحد أن يملأه، وذكرى لا يستطيع الزمن أن يمحوها، فبعض الغياب لا يُنسى، وبعض الأحبة لا يموتون أبدًا، لأنهم ببساطة تركوا في أرواحنا شيئًا من أرواحهم.











