المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، لكنها تبدو وكأنها تُدفع إليها دفعًا. من اليمن إلى الخليج، ومن غزة إلى إيران، تتسع دائرة النار، وتدخل المنطقة مرحلة شديدة الخطورة، لم يعد السؤال فيها فقط، من بدأ التصعيد؟ وإنما السؤال الأهم، من يملك قرار إيقافه؟
ما يحدث في اليمن لم يعد شأنًا يمنيًا خالصًا، فالتصعيد الحوثي وصل إلى العمق السعودي، وارتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم طرق التجارة والطاقة في العالم.
وفي المقابل، تظل أزمة مضيق هرمز حاضرة في المشهد، بما يجعل أي تصعيد جديد قادرًا على تجاوز حدود الدول والوصول إلى الاقتصاد العالمي، وهنا تصبح المسألة عربية بامتياز.
ليس المقصود أن يدخل العرب حربًا جديدة، ولا أن تتحول المنطقة إلى معسكرات متصارعة. العكس تمامًا، المطلوب أن يكون للعرب صوت واضح في تحديد مستقبل منطقتهم، وألا تظل أزماتنا مجرد أوراق تستخدمها القوى الكبرى في صراعاتها وحساباتها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن النار عندما تشتعل في بلد عربي لا تبقى داخله. تبدأ من مكان، ثم تعبر الحدود، وتصل إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة والأمن، وفي النهاية يدفع المواطن العربي الثمن.
والأخطر أن المنطقة أصبحت أمام معادلة معقدة، قوى دولية تتدخل. وقوى إقليمية تتصارع، وأطراف مسلحة تملك قدرة على تغيير المشهد في ساعات، بينما يبحث المواطن عن شيء بسيط جدًا، أن يعيش بأمان.
مصر تقول بوضوح إن الترتيبات الأمنية التي تُفرض من خارج المنطقة لن تكون مستدامة. وإن دول المنطقة يجب أن يكون لها صوت مسموع في صياغة مستقبل أمنها، كما تؤكد القاهرة أن أمن الخليج جزء من أمنها القومي، وتدفع باتجاه الحوار والحلول السياسية وخفض التصعيد.
هذه ليست لحظة للمزايدات، إنها لحظة سؤال حقيقي. هل يستطيع العرب أن يتعاملوا مع أزمات المنطقة باعتبارها قضايا أمن قومي عربي، لا ملفات منفصلة تنتظر تدخل الآخرين؟
الخلافات العربية موجودة، والمصالح ليست واحدة، وهذا أمر طبيعي. لكن هناك فرقًا بين اختلاف المصالح وبين غياب الرؤية المشتركة عندما يصبح أمن المنطقة كلها مهددًا.
العالم يعيد ترتيب أوراقه في الشرق الأوسط، ومن لا يشارك في ترتيب أوراقه. سيجد نفسه يومًا ما يعيش وفق ترتيب وضعه الآخرون.
لذلك، ربما لم يعد السؤال، من ينتصر في هذه الحرب أو تلك؟ السؤال الحقيقي هو. متى يمتلك العرب قرارهم، قبل أن تفرض عليهم المنطقة قرارًا لا يريدونه؟












