أحيانًا لا يكون أخطر ما في الخلاف أن تختلف دولتان عربيتان، وإنما أن يصل الخلاف إلى الناس.
هناك، في المسافة بين قرار سياسي ومشاعر الناس، يحدث شيء أخطر من مجرد أزمة بين حكومتين، تبدأ الحكاية بموقف أو تصريح أو خلاف في المصالح، ثم تنتقل إلى مواقع التواصل، وبعدها يتحول الأمر إلى حملات غضب وسخرية وتخوين، وكأن الشعب كله مسؤول عن قرار حكومته.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من الخلاف نفسه، ما الذي يجعل مواطنًا عربيًا يكره مواطنًا عربيًا آخر لمجرد أن حكومتي البلدين اختلفتا؟
السؤال مؤلم، لأن ما بين الشعوب العربية أكبر بكثير من أي خلاف سياسي. نحن نتحدث اللغة نفسها، ولدينا تاريخ طويل من العلاقات والتداخل والهجرة والمصاهرة والعمل والدراسة والسفر، ملايين الأسر العربية ارتبطت ببعضها من دون أن تسأل عن حدود أو خرائط، ومع ذلك، يمكن لخلاف سياسي واحد أن يجعل كل هذا يبدو وكأنه لا شيء.
هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. المنطقة العربية عاشت عقودًا من الحروب والأزمات والانقسامات، فلسطين، ولبنان، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والسودان.. أسماء كثيرة ارتبطت في ذاكرتنا بالحرب والدمار والنزوح، وفي كل مرة كان المواطن العادي هو الذي يدفع الجزء الأكبر من الفاتورة.
تتغير الحكومات، تتبدل التحالفات، تتوقف حرب وتبدأ أخرى، لكن الإنسان الذي خسر بيته أو عمله أو أحد أفراد أسرته لا يستطيع أن يغيّر حياته بهذه السرعة.
وهنا يجب أن نقول شيئًا ربما لا يعجب كثيرين، نعم، المنطقة تعرضت وما زالت تتعرض لتدخلات وأطماع من قوى خارجية، وإسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي كانا جزءًا أساسيًا من تاريخ المنطقة منذ عام 1948. لكن الخارج لا يستطيع وحده أن يصنع كل هذا الخراب إذا لم يجد في الداخل خلافات قابلة للاشتعال.
وهذه مسؤوليتنا نحن أيضًا، لقد سمحنا للخلاف السياسي في أوقات كثيرة بأن يتحول إلى خصومة شعبية، سمحنا للإعلام ومواقع التواصل بأن تجعل من المواطن في دولة عربية أخرى هدفًا للشتائم، فقط لأنه ينتمي إلى بلد اتخذت حكومته موقفًا لا يعجبنا.
وهنا نرتكب خطأ كبيرًا، الحكومة ليست الشعب، والشعب لا يختار دائمًا كل ما تفعله حكومته، ولا يتحمل المواطن مسؤولية كل قرار يصدر من عاصمته، هذه البديهية البسيطة ننسى أحيانًا أنها موجودة.
ليس المطلوب أن تتفق الدول العربية في كل شيء. هذا غير واقعي أصلًا. لكل دولة حساباتها ومصالحها وظروفها، ومن الطبيعي أن تختلف المواقف، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تختلف الحكومات وأن يتخاصم الناس.
يمكن لدولة أن تختلف مع دولة أخرى اليوم، ثم تتغير الظروف غدًا ويعود الحوار. أما عندما يتحول الخلاف إلى كراهية بين الشعوب، فإن إصلاح ما انكسر يصبح أصعب بكثير، والعالم من حولنا لا ينتظر حتى نتفق.
كل دولة تبحث عن مصالحها، وكل قوة إقليمية ودولية تتحرك حيث تجد مساحة للحركة. وكلما اتسعت الخلافات العربية، أصبح من الأسهل التعامل مع المنطقة كملفات منفصلة بدل أن تكون لها قدرة أكبر على حماية مصالحها المشتركة.
ولذلك فإن القضية ليست البحث عن «وحدة عربية» بالشعارات القديمة، ولا مطالبة الجميع بأن يتحدثوا بصوت واحد.
القضية أبسط من ذلك، أن نعرف كيف نختلف، أن أرفض موقف دولة عربية من دون أن أكره شعبها. أن أنتقد حكومة من دون أن أسيء إلى مواطنيها. وأن أترك دائمًا بابًا مفتوحًا للحوار، لأن السياسة لا تعرف شيئًا اسمه الخلاف الأبدي.
ربما تكون فلسطين أكبر تذكير لنا بأن الخلافات مهما اتسعت لا تلغي حقيقة أن هناك قضايا ومصالح وتاريخًا مشتركًا.
نحن لسنا مطالبين بأن نتفق دائمًا، لكننا، على الأقل، مطالبون بألا نجعل خلافات الحكومات سببًا في كراهية الشعوب، لأن أخطر لحظة ليست عندما تختلف عاصمتان..
أخطر لحظة عندما ينجح الخلاف في إقناع العربي بأن العربي الآخر هو عدوه، عندها لا نكون قد خسرنا معركة سياسية فقط.. نكون قد خسرنا بعضنا.













