الصراع الأمريكي الإيراني لم يعد مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل توسع ليهدد أمن دول عربية تجد نفسها وسط العاصفة.
هذه الدول، رغم أنها ليست مسؤولة عن اندلاع النزاع، ولا تملك قدرة منفردة على إيقافه، تدفع الثمن الأكبر.
قد تكون أمريكا هي التي أشعلت فتيل الأزمة، لكن العبء الأكبر يقع على كاهل المنطقة العربية، التي تعاني من توابعها الكارثية.
بينما تتحدث واشنطن عن أهداف المعركة الاستراتيجية، تُترك الأنظمة العربية أمام خيارات مؤلمة ومعادلات معقدة.
إيران لازالت تمتلك أدواتها للضغط عبر وكلائها في المنطقة، من جماعات مسلحة إلى مليشيات كالحوثيين الذين يصعّدون التوتر يومًا بعد يوم.
أمن الملاحة والطاقة في المنطقة أصبح جزءًا من الثمن الباهظ للأزمة، وما تخبئه الساعات القادمة لا يزال يثير القلق، فالخطر قريب وواقعي.
ما تعرضت له السعودية مؤخرًا من هجمات لا تتوقف يجسد حجم الأزمة وتعقيداتها، وما آلت إليه المنطقة.
تجاوزت تداعيات الحرب الجبهات العسكرية التقليدية لتطال حياة المدنيين، حركة الطيران، التدفقات الاقتصادية والاستثمارية.
برغم الدعم الاستخباراتي والعسكري الذي تقدمه واشنطن لحلفائها في المنطقة، يبقى السؤال، هل يتفق هذا الدعم مع حجم التهديدات التي تواجهها الدول العربية؟
الأهم من ذلك، هل تملك أمريكا استراتيجية بعيدة المدى لتحقيق الاستقرار في المنطقة؟ أم أن تحركاتها مرهونة بحسابات داخلية ومصالح ظرفية؟
التفوق العسكري الذي تستعرضه الولايات المتحدة لا يضمن في حد ذاته تحقيق سلام دائم، يُمكنه تدمير منشآت عسكرية، إلا أن الأرضية المُهيأة للتناحر تظل قائمة، والضرر يستمر في التراكم على الاقتصادات والمجتمعات المنهكة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول الحليف العربي إلى مجرد امتدادٍ لتحقيق مصالح استراتيجية لا يمتلك سلطة تحديد معالمها، في الوقت الذي تتغير فيه الحسابات الأمريكية مع الوقت.
ويبقى الموقع الجغرافي للدول العربية ثابتًا في وجه التهديدات، ما اضطر هذه الدول إلى بذل مواردها لحماية أمنها القومي والبنية التحتية الحيوية.
كما يجب عدم إغفال مسؤولية إيران وسلوكها الإقليمي العدائي، طهران بنت شبكة نفوذ واسعة باستخدام جماعات مسلحة تديرها حيال خصومها.
الحوثيون يمثلون تجسيدًا واضحًا لهذا التكتيك، حيث تهديد الأمن الملاحي في باب المندب واستهداف الأراضي السعودية يضعان المنطقة أمام مخاطر تتجاوز الحدود اليمنية وتمتد آثارها للمصالح الإقليمية وحتى الدولية.
أحداث الأيام الماضية كشفت أن استقرار الخليج ليس ترفًا ولا يمكن عزله عن الصراع الأمريكي الإيراني، كما أن إعلان طهران استعدادها للتوسط بين الرياض والحوثيين في خضم تصعيد الهجمات يثير شكوكًا حول نواياها الحقيقية ومدى تناقض خطابها الدبلوماسي مع سلوكها الميداني.
الحل يكمن في تجاوز الرهان السلبي على موقف واشنطن أو انتهاء المواجهة بين الطرفين المتصارعين، المطلوب هو موقف عربي موحد يتمحور حول حماية المصالح الحيوية للأمة العربية، ويحول دون استخدام الدول العربية كورقة مساومة في صراعات الآخرين.
التحرك ضرورة من أي وقت مضى، العرب لا يحتاجون وعودًا جديدة بقدر حاجتهم إلى تنسيق دفاعي شامل وفعال يتيح لهم ردع أي تهديد خارجي بشكل مستقل، كما يجب حل الصراعات بعيدًا عن الضغوط الإقليمية والدولية التي تجعل من المنطقة ميدانًا مفتوحًا لحروب الآخرين.
الرهان على انتصار طرف في الصراع الأمريكي-الإيراني كضمان للاستقرار الإقليمي يبدو وهميًا وخطِرًا؛ فالحروب لا تنتهي عند آخر صدمة عسكرية بقدر ما تبقى آثارها ماثلة في شكل فراغات أمنية ونزاعات مؤجلة.
هل ستبقى القرارات المتعلقة بالأمن العربي رهينة قوى خارجية؟ أم ستدرك الدول العربية ضرورة بناء منظومة أمن مشتركة تعزز استقلاليتها؟
ليس الحل في الدخول بحالة تبعية جديدة لأي طرف خارجي أو الانجرار إلى معارك لا تعكس المصالح العربية.
نحن بحاجة ملحة إلى تشكيل إرادة عربية مستقلة قادرة على حماية أراضيها وسيادتها، وإلى دبلوماسية واعية تمنع تحول المنطقة إلى مسرح دائم لحروب القوى العالمية.
من لا يسعى بشكل فعال لحماية أمنه بحكمة وحنكة سيظل يدفع ثمن صراعات لم يشارك في اتخاذ قرار إشعالها.














