من ترك الأقصى يواجه مصيره لعقود، لا ينبغي أن يتظاهر بالدهشة اليوم وهو يرى الخطر يقترب من الحرمين الشريفين!
الحقيقة قاسية، لكنها تفتح جرحًا عربيًا قديمًا، ماذا جنت الأمة من خلافاتها، وماذا ربحت من بيانات الإدانة التي تتكرر كلما تعرضت القدس لانتهاك جديد؟ سنوات طويلة والمسجد الأقصى يواجه الاقتحامات ومحاولات فرض واقع جديد، بينما عجز العرب عن تحويل غضبهم إلى موقف موحد يضع حدًا لهذه الانتهاكات.
اليوم، مع تصاعد المخاوف على أمن الحرمين الشريفين، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا، هل كان المشهد سيختلف لو تعامل العرب مع الاعتداء على أولى القبلتين باعتباره قضية تمس أمن الأمة كلها، لا ملفًا يمكن تأجيله أو ترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهته؟
لا أحد يستطيع الجزم بأن التهاون في حماية الأقصى تسبب مباشرة في التهديدات التي تطال مكة والمدينة، فلكل واقعة ظروفها وأطرافها.
لكن المؤكد أن الانقسام العربي أضعف القدرة على مواجهة الأزمات، وترك مساحة أوسع للقوى المتصارعة كي تفرض حساباتها على منطقة أنهكتها الحروب.
لا يمكن الحديث عن تاريخ الصراع في المنطقة من دون مصر، فمنذ حرب فلسطين عام 1948، كانت القاهرة في قلب المواجهة، وقدمت تضحيات كبيرة، ثم واجهت العدوان الثلاثي عام 1956، وخاضت حرب الاستنزاف، وصولًا إلى انتصار أكتوبر 1973 الذي غيّر حسابات الصراع.
وبعد استعادة سيناء بالحرب والتفاوض، لم تغلق مصر ملف فلسطين، بل واصلت دعم الحقوق الفلسطينية والتحرك من أجل التهدئة، وشاركت في جهود الوساطة وإدخال المساعدات إلى غزة.
هذه ليست مجرد محطات في سجل التاريخ؛ إنها دليل على أن مصر دفعت أثمانًا باهظة في صراع ارتبط بأمنها القومي ومحيطها العربي.
وظلت القضية الفلسطينية حاضرة في سياستها، لكن القاهرة، مهما امتلكت من ثقل سياسي وعسكري، لا تستطيع وحدها حمل مسؤولية أمة كاملة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، فبينما كانت مصر تتحرك في مراحل مختلفة من الصراع، لم ينجح العرب في تجاوز خلافاتهم وبناء موقف مشترك يتناسب مع حجم الأخطار.
تراجعت وحدة القرار، وتقدمت الحسابات الضيقة، وبقيت قضايا مصيرية معلقة بين المبادرات والوعود.
الأقصى والحرمين ليسوا قضايا منفصلة في وجدان المسلمين، فالقدس ومكة والمدينة مقدسات لها مكانتها الدينية والتاريخية، وحمايتها تستوجب تعاونًا عربيًا وإسلاميًا جادًا.
وإذا كانت حماية الحرمين مسؤولية مباشرة لـ المملكة العربية السعودية، فإن التضامن في مواجهة التهديدات التي تطالهما مسؤولية تتجاوز حدودها، كما أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وحماية الأقصى لا يجوز أن يبقيا عبئًا على الفلسطينيين وحدهم.
المطلوب ليس إشعال حرب جديدة، بل بناء موقف عربي قادر على التحرك السياسي والدبلوماسي، وتنسيق الجهود الأمنية، ومواجهة الاعتداءات بالوسائل المشروعة.
وهنا تستطيع مصر، بالتعاون مع السعودية والأردن وسائر الدول العربية، أن تدفع نحو صياغة رؤية مشتركة تحمي المقدسات وتصون أمن المنطقة.
لقد آن الأوان ليدرك العرب أن الخلافات لا تحمي الأوطان، وأن التضامن الذي يظهر بعد وقوع الكارثة لا يكفي لمنع تكرارها.
من الأقصى إلى الحرمين، الدرس واضح، حين تتفرق المواقف تضعف الحماية، وحين تتوحد الإرادة يصبح للعرب صوت وقدرة على التأثير.
هل يتعلم القادة من سنوات الانقسام، أم ينتظرون أزمة جديدة ليكتشفوا أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم؟












