قدم فيلم Flies نفسه ببساطته، باكتمال مخلص بقدر ما هو مشرق، وفي بعض الأحيان، مضحك للغاية. وهكذا يستمر حتى تظهر الظلال. ما يلي هو رحلة متقلبة من طفولة متحررة ومُبهجة إلى عوالم أكثر قتامة، حتى إلى الموت نفسه.
دون أن يغفل عن منظور الطفل، وبمساعدة لحظات من الهروب الحالم. والنتيجة حكاية دقيقة وجميلة، تروى «بحب ما يطير»، كما قال ماتشادو في النهاية. الفيلم من إخراج فرناندو إيمبكه ، وشارك في كتابته إيمبكه وفانيسا جارنيكا، وإنتاج ميشيل فرانكو وإرينديرا نونيز لاريوس.
الفيلم شارك في مهرجان الجونة التاسع؛ وشارك الفيلم لأول مرة عالميًا في المسابقة الرئيسية لمهرجان برلين السينمائي الدولي السادس والسبعين 2026، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم المسكونية
قضايا بالغة الصعوبة
فيلم «الذباب».. قليل التكلفة، مصور بالأبيض والأسود، بسيط ولكنه نابض بالحياة، يشعرك «الذباب» وكأنه فيلم من عصر آخر، زمن آخر، يكاد يكون مناهضا للثقافة السائدة ، عتيق قدم لعبة الفيديو التي يلعبها كريستيان الصغير بشغف طوال معظم أحداث القصة.
يقترب الفيلم من قضايا بالغة الصعوبة كمواجهة طفل في التاسعة من عمره مرض أمه الميؤوس من شفائه بدون الاقتراب من الإثارة الرخيصة، ودون ؛أو الوقوع في فخ السرد الخيالي والمتعالي. يتغير أبطاله حتى يجد إينسانيتهم في وجهة نظر كريستيان الصغير البريئة .
خفيفة الظل وساحرة
النتيجة كوميديا خفيفة الظل وساحرة .يستخدم إيمبكه أسلوببا ثابتا وبسيطا إلى حد ما ؛بلقطات طويلة بكاميرا ثابتة، وأربع شخصيات، وموقع تصوير واحد تقريبا . يظهر الفيلم، من خلال لمساته الفكاهية وإيحائه الإيروتيكي الخفية ومصداقية ملاحظاته الصغيرة والعميقة ، تعاطفًا وذكاء يمكنانه من تجاوز بساطته الظاهرية، وكبحه العاطفي.
قدم المخرج المكسيكي فرناندو إيمبكه فيلم “الذباب” ، الذي يهتم برصد ما يحدث عندما يجبر شخص اختار الانعزال عن العالم على التعايش معه مجددًا؛ مازجا بين وجهتي نظر الطفل و الامرأة التي تعيش وحيدة في شقة، وتبدو منذ ظهورها الأول عاجزة عن الاستمتاع بما يقدمه العالم. تظهر إحدى المشاهد الأولى أولجا نائمة بينما تطن ذبابة بالقرب منها، مصدرة ذلك الصوت المزعج.
محاولتها طردها تعطي سلسلة من الأحداث التي تزيد من تعقيد سعيها نحو السكينة. يظهر هذا الموقف البسيط كيف تتعامل هذه المرأة مع كل شيء تقريبًا من حولها، بما في ذلك جيرانها في المبنى، الذين يبدو أنهم يسببون لها إزعاجًا مماثلًا، والذين لا تقيم ببساطة أي صلة بهم. لقد أصبحت شقتها حصنا يحميها من أي تفاعل قد يهدد السلام الذي بنته حول عزلتها.
تأجير إحدى الغرف
يبدأ هذا الروتين بالتغير عندما تقرر أولجا، لظروف مالية، تأجير إحدى الغرف. وكعادتها المنعزلة، لا تعطى أولجا اهتمامًا كبيرًا بمعرفة هوية هؤلاء الأشخاص، أو ما يحدث لهم، أو سبب مجيئهم. وهكذا تبدأ حياتهم المشتركة بانفصال واضح، حيث يتشاركون نفس المكان دون رغبة حقيقية في التعرف على بعضهم البعض. ومع مرور الأيام، وسلسلة من الأحداث التي يتغير هذا الوضع.
من خلال عيون الصبي
قد تكون اولجا هي بطلة فيلم “الذباب”، لكن المخرج المكسيكي قدم عملًا يتنقل ذهابًا وإيابًا، متنقلًا بين شخصياته الرئيسية الثلاث: أولجا، التي تؤدي دورها تيريزيتا سانشيز ؛ وتوليو، الرجل الذي تستأجر له غرفة أثناء زيارته لزوجته المريضة؛ وكريستيان، ابن توليو، وهو صبي لا يريد سوى رؤية والدته ويتسلى بلعبة فيديو.
من خلال عيون الصبي، يغير إيمبكه وجهات نظره المختلفة: فعندما تكون الرؤية من منظور الصبي، تكون الكاميرا على مستوى عينيه، كاشفةً العالم من منظور الطفل، وهو منظور غالبًا ما يتم تجاهله.
يتناول الفيلم أيضًا هذا الأمر: المكانة التي يعطيها المجتمع للأطفال. لا يسمح لكريستيان بدخول المستشفى، أو التبول في الشارع، أو مشاهدة التلفزيون، أو حتى، في البداية، التواجد في منزل أولجا. هذا المجتمع نفسه هو الذي يجعل كل شيء خاضع للمال، وهو ما يقدمه إيمبكه دون تكلف، من خلال لقطات مقرّبة للأوراق النقدية والمحافظ. ومن خلال لعبة فيديو.
يتخذ المخرج قرارا جوهريا
يحدث ما هو غير متوقع: الرابطة بين المرأة التي تزعجها كل الأمور والصبي الصغير الذي لا يريد سوى رؤية والدته. يُظهر مونتاج بديل أولجا وهي تلعب سودوكو، وكريستيان وهو يلعب كوزميك ديفندرز برو. تتخلل أسلوب إيمبكه في تصوير اللعبة مشاهد تكاد تكون تجريدية، وذلك من خلال استخدام الأبيض والأسود الذي يطغى على الفيلم بأكمله، مع التركيز الشديد على البكسل.
في فيلم يتناول، من بين أمور أخرى، موضوع الحزن، يتخذ المخرج قرارا جوهريا، يكاد يكون مخالفًا للتيار السائد في هذه الأوقات؛وهو أن يسلك درب الاحترام ويمنح شخصياته فرصة الضحك والإنسانية.
إن استخدام المخرج للأبيض والأسود وقدرته على بناء عمل إنساني عميق بإمكانيات محدودة، كشفا عن رؤية شخصية للغاية، خاصة من خلال أبطاله ، سواء من حيث الأماكن التي تدور فيها معظم الأحداث أو من حيث طريقة مراقبته لمن يسكنونها.
كشف عيوب كل منهم
يجمع الفيلم شخصيات لم تتوقع في البداية أن تقضي أيامها معًا، ويسمح لحياتهم المشتركة بكشف عيوب كل منهم. كريستيان فتى شديد التعلق بأمه، وبسبب غيابها وسنه، يظهر رغبة جامحة في معرفة ما يجري. يضاف إلى ذلك وجوده في مكان غريب تمامًا، مما يجعل الفضول أحد أهم وسائله للتفاعل مع محيطه. فهو يستكشف باستمرار، ويتنقل، ويقوم بأفعال ليست دائمًا مناسبة، من تسلق الجدران إلى التبول في الشارع.
وهكذا، يحتفظ سلوكه بطابع شقي نموذجي للطفولة، وهو ما يتناقض تمامًا مع العزلة الصارمة التي تحاول أولجا الحفاظ عليها. نساعد هذه التفاصيل في الكشف عما يريد إيمبكه إيصاله من خلال أدوات مثل منظور الطفل، وعزلة البطل الاختيارية، وحتى تلك النواقص الصغيرة التي تشكل جزءا من مشكلة أكبر داخل النظام المكسيكي نفسه. وراء كل هذا يكمن شوق عميق لما هو مرغوب أو يسعى لاستعادته، بالإضافة إلى الحواجز التي تحول دون تحقيق هذا الشوق.
إعادة فهم أنفسنا كمجتمع
من هذه الاختلافات، أستمد فيلم “الذباب” فكرته الأقوى؛ وهي الحاجة إلى إعادة فهم أنفسنا كمجتمع، وإلى إدراك من يقف بجانبنا. فقدت أولجا ثقتها بالناس، وأغلقت عمليًا جميع أبواب حصنها الذي بنته لنفسها. في المقابل، يظهر كريستيان، مدفوعا بدافع معاكس، مستعددا دائما لاستكشاف ما هو خفي، وهدم أي حاجز قد يقربه مما يحتاجه.
تتصادم خبرة امرأة تعلمت عدم الثقة مع نفاد صبر طفل يتوق إلى لمس كل شيء ورؤيته. وطور المخرج هذا التناقض من خلال سرد يتسم أحيانًا بالفكاهة وأحيانًا أخرى بالرقة، ليكشف في النهاية أن المسافة بين هاتين الطريقتين في التعامل مع العالم قد لا تكون كبيرة كما تبدو.
صحيح أن الفيلم، خاصةً مع اقترابه من نهايته، يبدأ بالاعتماد بشكل مفرط على تقنيات تقترب من العاطفية المفرطة. تبدو بعض اللحظات وكأنها تسعى بشكلٍ واضح إلى العمق العاطفي المعهود في الدراما العائلية الكلاسيكية. ليس هذا بالضرورة عيبب في حد ذاته، مع أنه يخفف من حدة بعض ما نجح الفيلم سابقا في موازنته بشكلٍ طبيعي.
فقد تعايشت قسوة القصة ورقتها دون أن يطغى أحدهما على الآخر، بينما في النهاية، يبدو أن هذا التوازن يميل بشكلٍ أوضح نحو البحث عن استجابة عاطفية.يحتفظ الفيلم بقدر كافٍ من الإنسانية ليؤكد حساسية فرناندو إيمبكه في تصوير العلاقات بين شخصياته.
فاز بجوائز في مهرجانات
فرناندو إيمبكه (مكسيكو سيتي، 1970) مخرج وكاتب سيناريو ومخرج أفلام مكسيكي، اشتهر بأسلوبه البسيط، وروح الدعابة الرقيقة، وحساسيته؛ فيلمه الروائي الأول “موسم البط” (2004)، الذي حظي بإشادة دولية واسعة النطاق وحصد العديد من الجوائز، مما رسّخ مكانته كواحد من أكثر الأصوات أصالةً في السينما المكسيكية المعاصرة.
أخرج لاحقًا فيلم “بحيرة تاهو” (2008)، الذي فاز بجوائز في مهرجانات مثل مهرجان برلين، وفيلم “ساندويتش النادي” (2013)، الفائز بجائزة الصدفة الفضية لأفضل مخرج في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي.
تتميز أعماله السينمائية بإيقاعها المتزن، وحوارها الدقيق، وإخراجها الذي يُولي أهميةً للصمت والإيماءات اليومية الصغيرة، مستكشفًا بعمق عاطفي عمليات النمو والهوية والروابط الأسرية. إلى جانب الإخراج، شارك ككاتب سيناريو ومنتج في العديد من المشاريع السمعية والبصرية.
يُعتبر إيمبكه شخصية محورية في السينما المستقلة في أمريكا اللاتينية، وقد عُرضت أعماله في بعضٍ من أعرق المهرجانات العالمية، بما في ذلك مهرجانات كان وبرلين وتورنتو وسان سيباستيان. وقد أثّر نهجه السينمائي، المنأى عن التقاليد التجارية، في أجيال جديدة من صانعي الأفلام، وساهم في تعزيز حضور السينما المكسيكية على الساحة الدولية، والتي تتميز بنظرتها الحميمة والإنسانية والعميقة للحياة اليومية الإنسانية.












