لم تعد أزمة المواطن المصري في ارتفاع فاتورة الكهرباء وحدها، بل في تراكم الفواتير التي تلاحقه من كل اتجاه، فكل قرار جديد بزيادة الأسعار لا يضيف رقمًا إلى فاتورة الخدمات فقط، وإنما ينتزع جزءًا من قدرة الأسرة على العيش الكريم، ويقلص ما تبقى من دخلها المحدود.
زيادة شرائح الكهرباء ليست حدثًا اقتصاديًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل الضغوط المعيشية التي يعيشها المواطن، فالكهرباء تدخل في تكلفة كل شيء؛ من رغيف الخبز إلى فاتورة العلاج، ومن الصناعة إلى التجارة، لتصبح الزيادة شرارة ترفع أسعار عشرات السلع والخدمات، بينما يبقى المواطن الحلقة الأضعف التي تتحمل التكلفة كاملة.
وإذا كانت الحكومة ترى أن هذه القرارات ضرورة اقتصادية، فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا أين نتائج هذه التضحيات؟ ولماذا تتكرر القرارات التي تمس جيوب الناس، بينما يظل تحسين مستوى المعيشة هدفًا مؤجلًا؟.
إن الإصلاح الاقتصادي لا ينجح بالأرقام وحدها، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين استقرار المالية العامة وحماية المجتمع من أعباء لا يطيقها.
الدور الأصيل للدولة لا يقتصر على إدارة المرافق العامة أو تحصيل رسوم الخدمات، بل يمتد إلى حماية مواطنيها وتوفير حياة كريمة لهم، خاصة في أوقات الضغوط الاقتصادية، فالدعم ليس منحة تُقدم للمواطن، وإنما هو أحد أهم أدوات العدالة الاجتماعية التي تكفل حصول المواطنين على الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، بأسعار تتناسب مع مستويات دخولهم.
وكلما اشتدت الأعباء المعيشية، ازدادت مسؤولية الدولة في تخفيف آثارها، لأن نجاح الحكومات لا يقاس فقط بحجم الإيرادات أو مؤشرات النمو، وإنما أيضًا بقدرتها على صون كرامة المواطن وتوفير شبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر احتياجًا.
لقد أصبح من المشروع أن تخضع السياسات الاقتصادية لتقييم ومراجعة جادة، وأن تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية عن نتائج قراراتها، وإذا كانت الأدوات الحالية لم تعد قادرة على تخفيف الأعباء أو استعادة ثقة المواطنين، فإن إعادة تشكيل الفريق الحكومي أو تبني نهج اقتصادي مختلف يظل خيارًا مطروحًا في إطار المساءلة السياسية، بهدف ضخ أفكار جديدة واستعادة الثقة في قدرة الدولة على مواجهة التحديات، بعيدًا عن تحميل المواطن وحده فاتورة الإصلاح.
الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، بل أيضًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، فالمواطن لا يطلب امتيازات خاصة، وإنما يطالب بحقه في خدمات أساسية بأسعار عادلة، وفي سياسات اقتصادية تراعي ظروفه المعيشية، وتمنحه الأمل بأن ما يتحمله اليوم سيقابله غدٌ أفضل.
فاتورة الكهرباء ليست مجرد أرقام تُدفع في نهاية الشهر، بل هي مؤشر حقيقي على حجم الضغوط التي تعيشها الأسرة المصرية، وكلما اتسعت الفجوة بين الدخل وتكاليف الحياة، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى مراجعة السياسات الاقتصادية، وإعادة ترتيب الأولويات، ووضع المواطن في قلب عملية الإصلاح.
الإصلاح الحقيقي هو الذي يحقق التوازن بين استدامة الاقتصاد وحماية المجتمع، ويجعل الدولة سندًا لمواطنيها في مواجهة الأزمات، لا أن يشعر المواطن بأنه يواجهها وحيدًا.













