في ذكرى نكبة فلسطين الـ77، وبينما تتشح الذاكرة العربية بالسواد، تهبط طائرة دونالد ترامب في الرياض، حاملاً معه ملفات وابتسامات، لكنه يرفض فنجان القهوة العربية.
مشهد لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا في يوم سياسي مزدحم. فحين يمتنع ضيفك عن شرب رمز ضيافتك، ثم يوقعك على صفقات بمئات المليارات، فهو لا يُجالسك بل يُملي، ولا يطلب ودّك بل يختبر ولاءك.
في قاعة مزخرفة بالكريستال والنوايا غير المعلنة، صُورت لحظة الرفض كأنها لقطة سينمائية. لكنها في الواقع، تعبير رمزي عن نكبة جديدة، ليس فيها لجوء جغرافي هذه المرة، بل لجوء معنوي تحت عباءة القوة.
ترامب، العائد إلى المسرح العالمي بلغة رجل الأعمال لا الدبلوماسي، يعرف جيدًا أن الكرامة في ثقافة العرب تبدأ من فنجان قهوة، وتنتهي عند حدود السيادة. وبين هذين، وقّعنا نحن ـ مرة أخرى ـ على بياض.
زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية، لم تكن حدثاً بروتوكوليًا عابرًا، بل لحظة سياسية مشحونة بالدلالات، محملة بالرسائل، وفي توقيت لا يمكن فصله عن رمزية التاريخ وجغرافيا الانهيار العربي.
أن يختار ترامب، العائد إلى المشهد الدولي بقوة ، أن يبدأ جولته الخليجية من الرياض وفي ذكرى نكبة فلسطين (15 مايو)، فذلك يُمثل إشارة صادمة. لم تعد النكبة مجرد لحظة من الماضي، بل باتت حاضرة ومتمددة، وكأننا أمام نكبة جديدة، ولكن هذه المرة بإرادة ذاتية وتواطؤ مكشوف.
من تهجير الأرض إلى تهجير المعنى
ما بين نكبة 1948 ونكبة 2025، 77 عاماً من التراجع. نكبة اليوم لم تعد مرتبطة بخسارة الأرض فقط، بل بخسارة المعنى، الكرامة، والموقف المستقل.
زيارة ترامب اليوم تؤرخ لمرحلة جديدة من الارتهان، حيث تُفتح أبواب العواصم الخليجية مجددًا لرئيس أمريكي يحمل في جعبته ملفات ضغط وصفقات، لا تحترم الحليف بقدر ما تشتري صمته.
رمزية القهوة المرفوضة
في مشهد مثير للاستغراب، امتنع ترامب عن شرب فنجان القهوة العربية التي قُدمت له ضمن مراسم الاستقبال، في تصرفٍ أثار استياء في الأوساط الشعبية والدبلوماسية.
القهوة، في الثقافة العربية، ليست مشروبًا بل طقسًا للقبول والاحترام. ورفضها أمام عدسات الكاميرات بدا كأنه تعبير ضمني عن رفض تقاليد العرب لا مشاركتهم. إنها إهانة ناعمة لكنها مقصودة، يُراد بها تكريس التفوق لا الودّ.
الصفقات الجديدة.. تكرار للسيناريو القديم
كما حدث في زيارته عام 2017، عاد ترامب محمّلاً بخطط اقتصادية وعسكرية، طامحًا في إعادة تدوير سيناريو «صفقة التريليونات».
هذه المرة، تم الإعلان عن حزمة استثمارية بمليارات الدولارات، تشمل صفقات أمنية، تكنولوجيا دفاع، وشراكات في الطاقة الرقمية. لكن الأبعاد الحقيقية لا تكمن في الأرقام، بل في حجم الابتزاز السياسي المرافق.
ما عُرض على الخليج لم يكن تعاوناً، بل ضمانات لحماية العروش مقابل التبعية، ومكافأة لمن يصمت على مخططات إعادة ترسيم المنطقة، وتقويض ما تبقى من قضايا عربية عادلة.
منصة استقطاب أم إعلان اصطفاف؟
كما في الزيارة الأولى، عُقدت قمة خليجية أمريكية موسعة، شارك فيها عدد من الزعماء العرب، تحت عنوان «الشراكة من أجل الأمن والازدهار». لكن الواقع أظهر أن القمة كانت أداة لإعادة اصطفاف المنطقة على إيقاع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، في مواجهة روسيا والصين وإيران، وفي سياق إعادة هندسة التحالفات وفقاً لمصالح واشنطن وحدها.
ماذا بعد التوقيع؟
ترامب، الذي يعرف كيف يستثمر لحظات الاستعراض، عاد بمكاسب مالية ودعائية تعزز موقفه داخلياً، فيما لم تحصد العواصم الخليجية سوى خطاب مجاملات دبلوماسية ومجموعة وعود غير ملزمة. ما حدث يُعيد التأكيد أن الأنظمة التي تراهن على المظلة الأمريكية تُراهن على وهم، وأن “التحالف” ليس إلا غطاءً لنهب الثروات وتحويل الخليج إلى مجرد محطة تمويل لمشاريع الآخرين.
بين فنجان القهوة والورقة البيضاء
في نهاية المشهد، نقف أمام لحظة عربية مُرّة، ضيف يرفض رموز الضيافة، ومضيف يوقّع شيكاً على بياض. ما بين فنجان القهوة المرفوض، والصفقات المليارية، نعيد إنتاج النكبة، لا على الأرض فقط، بل في كرامتنا، وسيادتنا، وخياراتنا، وأحلام أمة تتبخر مع أول مصافحة.. وبدون رشفة قهوة.
تبقى كلمة.. تريليونات الدولارات من الدول العربية المستهدفة خلال زيارة ترامب للمنطقة، ما أُعلِن عنها وما خُفي. لو تم توظيف تلك الأموال في جيش عربي موحد أو صناعات عسكرية عربية، حيث تُصنع أجزاء من دبابة أو طائرة في كل دولة، لما كانت إسرائيل أو أمريكا أو أي دولة أخرى تتجرأ على العرب بكلمة واحدة. لكننا نصرفها على البذخ والكماليات، مما يبقينا في ذيل الأمم.













