من اليمن إلى غزة، تتشابك المشاهد الملتهبة بين ساحات صراع خفية وأخرى تتصدر اهتمامات العالم بوهجها المتصاعد.
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، توسعت رقعة النزاعات لتتجاوز الحدود التقليدية، عابرة نحو أعماق البحر الأحمر وممراته الدولية، ما يعكس تعقيدات جديدة تعيد رسم مسارات الصراع في المنطقة.
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، أعلنت جماعة الحوثيين، أو ما يُعرف بـ«أنصار الله»، انخراطها المباشر ضمن ما يسمى بمحور المقاومة.
جاء ذلك عبر سلسلة من الهجمات الصاروخية والبحرية التي استهدفت مصالح إسرائيلية وغربية في البحر الأحمر وبالقرب من الممر الملاحي باب المندب.
لم يكن هذا التصعيد مجرد خطوة عسكرية، بل رمزاً لتحول في استراتيجيات الحوثيين من لاعب محلي يسعى لترسيخ وجوده في شمال اليمن إلى قوة إقليمية ترى نفسها جزءاً من معادلة أكبر.
ومع استمرار الضربات الأمريكية الجوية المكثفة التي استهدفت مواقع استراتيجية في صنعاء والحديدة وصعدة، ردت الجماعة بإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، كرسالة رمزية لدعمها لغزة ولإثبات قدرتها على تغيير قواعد الاشتباك الإقليمية.
هذا التداخل المحوري بين المشهدين اليمني والغزاوي يثير تساؤلات عميقة حول نوايا الحوثيين. هل هم حقاً يدافعون عن القضية الفلسطينية؟ أم أن ذلك يصب في إطار خدمة أطماع إيرانية أوسع بما ينسجم مع مشروع طهران الجيوسياسي؟
وبينما ترفع الجماعة شعارات مثل «القدس أقرب»، تُلغّم سياساتها الداخلية المشهد بممارسات قمعية تستهدف التعددية الفكرية والاجتماعية، مما يثير التساؤل: كيف لمن يقمع حرية شعبه ويصادر أحلامه أن يكون متحدثاً باسم الحرية على النطاق القومي؟
في ظل هذا المشهد المضطرب، يستحيل رسم صورة واضحة لجبهات الرهانات والمصالح.. غزة تعيش تحت القصف والحصار القاسي، بينما صنعاء والحديدة تغرقان تحت وطأة التدخلات الخارجية والضربات الجوية.
البحر الأحمر يشهد تصاعد التوترات مع تحول مياهه إلى ساحة تنافس دولي يزيد من تعقيد الأوضاع. في هذه الفوضى، تختلط الحقائق والشعارات، وتُهمش قضية فلسطين في ظل تنافس الأجندات الإقليمية والدولية، تحولت أزمة اليمن من نزاع داخلي إلى ملف مركزي في تشكيل التوازنات الإقليمية.
وعلى الجانب الآخر، أصبحت غزة محور صراع أبعد من حدود القضية الفلسطينية، حيث تجذب أطرافاً عديدة تسعى لتوسيع نفوذها وسط انهيار ملامح النظام الإقليمي التقليدي وغياب رؤية عربية موحدة.
في هذا السياق، تتشابك أدوار القوى الإقليمية والدولية وفق أهداف متباينة:
السعودية.. دخلت الحرب تحت مظلة إعادة الشرعية في اليمن، لكنها وجدت نفسها غارقة في نزاع مكلف سياسياً وعسكرياً. اليوم تبحث عن سبيل خروج يحفظ ماء وجهها ويؤمن حدودها الجنوبية.
الإمارات.. انتهجت مساراً مغايراً يركز على تحقيق نفوذ استراتيجي عبر السيطرة على الموانئ والجزر الرئيسية مثل عدن وسقطرى، متجاوزة الرؤية التقليدية للشرعية اليمنية.
إيران.. تستثمر الحوثيين كأداة لتعزيز سيطرتها الإقليمية، مستغلة خطاب المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة لزيادة تأثيرها على ضفتي البحر الأحمر.
الولايات المتحدة.. تراقب الأوضاع اليمنية تحت أهداف مكافحة الإرهاب وضمان أمن الملاحة بمضيق باب المندب، مع تقليل تدخلها المباشر عسكرياً.
إسرائيل.. تنظر بعين استراتيجية إلى موقع اليمن الجغرافي لأهميته في تأمين مسارات الملاحة البحرية وتعزيز وجودها حول القرن الإفريقي.
يظل المواطن اليمني هو الضحية الحقيقية وسط هذه الصراعات المحمومة، حيث يدفع أثمان الفقر المدقع والاضطرابات المتعددة التي تنهك كافة أنحاء البلاد.
وبينما يعاني الفلسطينيون في غزة من ويلات الحصار والدمار، تسود تساؤلات شائكة حول طبيعة القضية نفسها: هل تحولت إلى أداة يتلاعب بها الفاعلون الإقليميون لصالح أجنداتهم؟ وهل أضحت الشعارات البراقة مجرد واجهة جوفاء تخفي وراءها صراعات نفوذ؟
في النهاية، يتكشف التساؤل الأكثر إلحاحاً والذي يختزل جوهر القضية: هل أصبحت فلسطين مجرد رمز فارغ يتم التلاعب به لتحقيق مصالح ومآرب خاصة، في حين يُترك شعبها يواجه وحده أعباء المعاناة؟
مثل هذه الأسئلة تعكس عمق مأساة واقع معقد يتطلب الإجابة عنه بحلول تتجاوز التحليل العقيم لتصل إلى أفعال عملية ومنصفة تعيد للحق مكانته وللإنسان كرامته.














