حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، كانت أولى خطواته تأسيس مجتمع متماسك يجمع بين المهاجرين والأنصار وسكان المدينة من غير المسلمين.
فأبرم وثيقة المدينة، التي عُرفت بـ صحيفة المدينة، وهي دستور مدني متقدّم أقرّ لليهود بحقوقهم الدينية والاقتصادية، وجعلهم جزءًا من الجبهة الداخلية للدفاع عن المدينة، بشرط الالتزام بعدم الخيانة أو موالاة الأعداء.
لكن التاريخ سجّل أن أطماع اليهود في النفوذ والسيطرة لم تنقطع، وأنهم سرعان ما نقضوا العهود واحدًا تلو الآخر، وكان تعامل النبي ﷺ معهم قائمًا على قاعدة قرآنية راسخة، الوفاء مع من وفى، والحزم مع من غدر.
بنو قينقاع كانوا أول من خان العهد، بعد غزوة بدر مباشرة، حين اعتدوا على امرأة مسلمة في سوقهم، فصاحت مستغيثة، فقتل مسلمٌ أحد اليهود، فاجتمعوا على قتله، فجاء الرد النبوي حاسمًا: حصار استمر خمسة عشر يومًا انتهى باستسلامهم وإجلائهم عن المدينة، تطبيقًا لحق الدولة في حفظ الأمن.
أما بنو النضير، فكانت خيانتهم أخطر، إذ تآمروا على اغتيال النبي ﷺ أثناء زيارته لهم لطلب المساعدة في دية قتيلين، فأوحى الله إليه بما دبّروه، فعاد إلى المدينة وأمرهم بالخروج.
رفضوا الامتثال، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم المسلمون حتى سلّموا وخرجوا، تاركين وراءهم نخيلهم وأراضيهم. وقد خلّد القرآن هذه الحادثة في سورة الحشر {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ…} [الحشر: 2]
ثم جاء غدر بني قريظة في أحلك لحظات الخطر، أثناء غزوة الأحزاب، حين انضموا إلى قريش وغطفان لاقتحام المدينة من الداخل.
هذا الموقف كاد أن يقلب موازين المعركة، لكن الله رد كيد الأحزاب. وبعد انقشاع الخطر، حوصروا حتى استسلموا، فارتضوا حكم سعد بن معاذ، الذي قضى بقتل المقاتلين وسبي الذرية، وهو حكم يوافق شريعة العهد القديم التي يؤمنون بها هم أنفسهم.
لقد أظهر النبي ﷺ في هذه المواقف ثلاث رسائل واضحة، أهمها أن السلام أساس العلاقة فمن التزم العهد عاش آمنًا، والخيانة لا تُترك بلا رد لأن التهاون فيها يفتح باب الفوضى.
وثالثها أن الحزم ليس غلظة بل حماية وهو ما أكدته الآيات القرآنية من قوله تعالى {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 57]
إن هذه السياسة النبوية ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي منهجٌ في إدارة العلاقات الدولية والصراعات الداخلية، فهي تُعلمنا أن العهود والمواثيق لا قيمة لها إن لم تصنها قوة تردع الغادر وتحمي الملتزم. وأن التساهل في الخيانة يفتح الباب لانهيار الأمن، بينما الحزم المدروس يعيد التوازن ويحفظ الاستقرار.
وفي عالم اليوم، حيث تتشابك التحالفات وتكثر الأطماع، نحن أحوج ما نكون إلى قراءة هذه المواقف بعيون واعية، تدرك أن العدل لا ينفصل عن القوة، وأن الحفاظ على السلم يتطلب يقظة دائمة وقدرة على الردع، تمامًا كما فعل رسول الله ﷺ مع من خانوا عهده.
(من أراد الاستزادة فعليه بالطبري وابن هشام «السيرة النبوية» وكتاب لمحمد بن عبد الوهاب العقيل بعنوان يهود المدينة في عهد الرسول ﷺ)، وغيرها من الكتب والمراجع التي أخبرتنا بسمات اليهود وطرق التعامل معهم.














