ما يحدث من تصريحات رئيس وزراء الكيان الصهيوني يثير تساؤلات عميقة حول ردود الفعل العالمية، وحتى العربية تجاهها، لو صدر تصريح مشابه من مسئول عربي يعلن فيه الرغبة في القضاء على دولة الاحتلال بشكل كامل أو القيام بعمل جذري ضد الكيان الصهيوني، لكانت هناك موجة غضب وتحرك غير مسبوق من القوى العالمية ضد هذا التصريح، وربما كان مصير ذلك المسئول شبيها بما حدث مع القذافي أو صدام حسين.
في المقابل، عندما يدلي نتنياهو بتصريحات ذات طابع عدائي واستفزازي مثل زعمه أنه مبعوث من العناية الإلهية لتحقيق «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، أو ادعاء قدرته على إبادة سكان غزة بسهولة، لا نجد أي تحرك فعّال من قبل الدول الغربية لإدانة هذه التصريحات المقلقة.
حتى ردود الفعل الرسمية العربية غالبًا ما تأتي ضعيفة ومراوغة، دون موقف حازم يجبره على التوقف عن مثل هذه الادعاءات الاستفزازية التي يستغلها لتعبئة المتطرفين الإسرائيليين وجذبهم إلى صفوف الجيش.
منذ توليه لأول مرة زمام الحكم في إسرائيل، برهن نتنياهو على امتلاكه رؤية استراتيجية طويلة الأمد، حيث وعد بمفاوضة العرب لعقود دون إعطائهم شيئًا يُذكر، وقد نفذ هذا الوعد بدقة. الاستيطان يأكل الأراضي العربية يومًا بعد آخر بينما تُكتفى الحكومات العربية بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، دون أن يتجاوز الأمر ذلك.
هذه التصرفات ليست عشوائية، بل مدروسة بعناية ضمن خطط طويلة الأمد تشمل التوسع الجغرافي والسيطرة العسكرية بمساندة أمريكية وأوروبية كاملة، إذ إن تصريحاته المتكررة حول تحقيق حلم «إسرائيل الكبرى» ما هي إلا إعلان حرب على المنطقة بأكملها تعكس ما وصل إليه من يقين بضعف الموقف العربي وقابليته للإخضاع.
لذلك، يجب أن يُؤخذ كلام نتنياهو بعين الجدية التامة، الرجل لا يُطلق تصريحات فارغة أو مجرد تهريج، بل يسعى حاليًا لتنفيذ كل ما وعد به.
هو مستعد لحرب كبرى قد تحقق هذا الهدف في نظر الصهاينة والمتطرفين حول العالم. إذا تجاهلنا هذا الواقع واستمررنا في الرد بلهجة دبلوماسية ناعمة، فسنكون مجرد متفرجين على إتمام خططه.
لهذا فالرد العربي يجب أن يكون صارمًا ومباشرًا، يشمل تهديدًا واضحًا بالتصعيد عند الحاجة وإنهاء كافة الاتفاقيات المشبوهة التي تخدم مصالح الكيان الصهيوني.
لغة الردع هي السبيل الوحيد لتعطيل المشروع الاستيطاني التوسعي وإجبار إسرائيل على إعادة النظر في أهدافها، الدبلوماسية وحدها، مهما كانت محترفة، لن توقف هذا السلوك العدائي، بدون موقف قوي وفعال من الدول العربية كلها، سيستمر نتنياهو في تحقيق أهدافه بلا أدنى مقاومة.
في نهاية المطاف، لا سلام مع نتنياهو أو مع الكيان الصهيوني طالما بقيت عقيدته الاستعمارية قائمة، أي تحرك دولي لمحاسبته سيواجه بتضامن قوي من حلفائه الذين يحفظون مصالحه بشكل كامل، كما يظهر من تعطيل العدالة الدولية عبر النفوذ الصهيوني والسيطرة الأمريكية على المؤسسات القانونية العالمية.
المطلوب الآن هو موقف عربي جاد يستطيع فرض حدود واضحة لهذه السياسات ولا يدع المجال مفتوحًا للمزيد من التعدي والتوسع.













