الجهادُ فريضةٌ غابت، فصار وطنُنا غابةً تأكله الكلاب من كل جانب، لم أقصد هنا تبرير عنفٍ أو تشجيعًا على سفك دماء، بل أتكلم عن معنى أوسع للجهاد، إلى جانب معناه الظاهر في قتال الأعداء والدفاع عن الأوطان والموت في سبيلها.
هناك جهادُ النفس والدعوة، جهاد الكرامة والدفاع عن الحق، جهاد الوعي الذي يحرّر الأمة من الهوان، وجهاد انتزاع الحرية والصدح بكلمة حق عند سلطان جائر.
كان الجهادُ، في مناطقه الإنسانية والروحية، وسيلةً لحماية الأعراض والأموال والأرض، وحصنًا للدين والعقيدة، ورافدًا يفتح الآفاق لدعوةٍ تقوم على كرامة الإنسان ورفع قدره.
أما اليوم، فقد نُزع هذا المعنى من مدارسنا ومن منابرنا ومن مناهجنا؛ صار من يتحدث عن جهاد الحق يُوصَم بالإرهاب قبل أن يُستمع إليه، هُجِّر الكلام عن العزة، فحلّت مكانه الذلّة.
منعنا الذكريات، ومَحونا مناهجنا، وحرّمنا على الأجيال أن تسمع كلمة تُذكرهم بحقّهم في الدفاع عن أنفسهم، وها هم الطامعون ينهبون أرضنا، والاعتداء على كرامتنا يصبح حدثًا نعجز عن الرد عليه.
لا أتحدث عن خطاب عدواني، بل عن حزنٍ عميق لأن أمّةً كانت تقف شامخة بعزيمة أبنائها وأخلاقهم، أصبحت اليوم أمّةً منكسرة لا تملك قوة لردع المعتدي أو حتى لحماية مصالحها.
المأساة ليست في وجود قوى أخرى أو مصالح متعارضة — فذلك قدر العلاقات الدولية — بل في أن نفقد نحن الإيمان بقدراتنا، ونقبل أن يُحكى عنا ولا نُحكى نحن.
نسمع عن حرية رأي تُستغل لإذلال رموزنا الدينية ووصف معتقداتنا بازدراء، فنصمت أو نردّ بصوت خافت لا يطفئ نار الإهانة، أين الكرامة التي كنا نفاخر بها؟ أين الصوت الذي كان يدافع عن حرمة الإنسان وحقه في الحياة والعيش الكريم؟
أدعو اليوم إلى إعادة قراءةٍ جادة لمفهوم الجهاد، جهادٌ ثقافي ينهض بالمناهج ويعلّم الأجيال قيمة الوطن والعزة؛ جهادٌ أخلاقي يرفع من مستوى القول والعمل ويمنع التهاون مع القيم؛ وجهادٌ دبلوماسي وسياسي يعيد صياغة الحضور العربي على الطاولة الدولية بعزيمة ووضوح، لا كرامة تُستعاد بالانتظار، ولا قوة تُبنى بالاستكانة والخذلان.
إن استعادة الفريضة ليست دعوة إلى العنف، بل نداءٌ للكرامة، أن نعود أصحاب قرار، نُدافع عن أرضنا، نحمي أعراضنا، ونصون عقيدتنا بالكلمة والموقف الشريف والعمل المنظم.
حين تعود الأمة إلى ذاتها بقيمها ومبادئها، سيعلم العالم أنها ليست مجرد حضورٍ بروتوكولي في قاعة الأمم المتحدة، بل قوة لها موقفٌ وصوت لا يُهان.
الجهادُ فريضةٌ على الأمة لا تُقاس بسيف أو بندقية، بل تُقاس بعزمٍ يبني، وبقلبٍ لا يقبل الذل، وبعقلٍ يخطط لمستقبل كريم.
أعدوا الجهاد إلى قلب التعليم والإعلام والمنابر، لتعود الأرض والكرامة والحق إلى أهلها، فحينها — لا أحذية الغرب ولا ممدود من يدٍ جاهلة — سيخضعون أمام إرادة راسخة لا تعرف الاستكانة.














