هل تعي الدار البيضاء الدرس وتستجيب للشباب.. أم يستمر العناد فتدخل المملكة في دوامة الفوضى؟
تابعت باهتمام بالغ ما يجرى على أرض المغرب الشقيق الذي عرفناه مسالماً، محباً للحياة، راغباً في استمرارها بسلام وهدوء. إلا أنّ إصرار الدولة على انتهاج سياسات غير رشيدة، وإغفالها لأولويات المواطن، دفع الشباب للخروج إلى الشارع بعدما وقف على حافة فقدان الأمل في التحسن والإصلاح.
انطلقت الشرارة من مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وأكادير، لتنتشر في أحياء متعددة، ويقودها جيل شاب لم يعرف زمن المواجهات القديمة، لكنه نشأ في ظل وعود الإصلاح والتنمية، ثم وجد نفسه محاطاً ببطالة خانقة، ومؤسسات صحية متدهورة، وتعليم لا يلبّي طموحاته، وبنية تحتية متفاوتة بين المركز والأطراف.
الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد احتجاج على واقعة أو أزمة عابرة، بل هي انفجار تراكمي لمظالم اقتصادية واجتماعية تراكمت عبر السنين.
الأولويات المقلوبة: بينما تستعد المملكة لإنفاق مليارات الدولارات على مشاريع مرتبطة بكأس العالم 2030، تعاني مستشفيات الداخل من نقص الأطباء والأجهزة، وتفتقر المدارس في الأرياف إلى أبسط المقومات.
أزمات الصحة والتعليم: تكرار حوادث مأساوية مثل وفيات الأمهات أثناء الولادة بسبب الإهمال أو نقص التجهيزات الطبية فجّر موجة غضب واسعة، في المقابل، تتكدّس المدارس الحكومية بأعداد ضخمة من الطلاب، وتظل الفجوة كبيرة مع التعليم الخاص.
فجوة التنمية بين المدن والأقاليم: المدن الكبرى تحظى بقدر من الخدمات، لكن المناطق الجبلية والريفية ما زالت مهمّشة، تعاني من غياب الطرق والبنى التحتية الأساسية.
بطالة الشباب وانسداد الأفق: أكثر من ثلث الشباب المغربي، وفق استطلاعات مستقلة، لا يجدون فرص عمل، ولا يرون مستقبلًا واضحًا، ما ولّد شعورًا بالخيبة والعجز.
الملك محمد السادس في خطبه الأخيرة دعا إلى مراجعة السياسات الاجتماعية، واعترف صراحة بوجود فشل في تنسيق البرامج وضعف استهداف الفئات الأكثر حاجة، كما شدّد على ضرورة معالجة الفوارق الإقليمية. غير أنّ هذه الدعوات لم تترجم بعد إلى خطوات ملموسة تقنع الشارع الغاضب.
الحكومة من جهتها حاولت احتواء الأزمة بإجراءات جزئية: إعفاء بعض المسؤولين المحليين، الإعلان عن مراجعة أولويات الإنفاق، وفتح الباب أمام برامج عاجلة في الصحة والتعليم. لكن الشباب يعتبرون ذلك مجرد مسكنات لا ترتقي إلى حجم المأساة اليومية.
المشهد في الشارع يعكس مزيجًا من الأمل في التغيير والخوف من الفوضى. المحتجون – وهم بالأساس طلاب وشباب عاطلون – يرفعون شعارات تدعو إلى العدالة الاجتماعية، تحسين التعليم والصحة، وتوزيع عادل للثروات، لكن في المقابل، هناك قلق من أن يؤدي التصعيد المفرط إلى صدام أمني يهدد استقرار البلاد.
اللافت أنّ الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على النشطاء التقليديين، بل شارك فيها مواطنون عاديون ضاقوا ذرعًا بغلاء المعيشة وتردي الخدمات، ما يجعلها أكثر شمولًا وأصعب في الاحتواء.
السيناريوهات المحتملة
– إصلاح تدريجي حقيقي: أن تبادر الحكومة إلى إطلاق برنامج وطني عاجل يركز على الصحة والتعليم والتشغيل، ويعيد الثقة للشباب، هذا السيناريو يمكن أن يطفئ جذوة الغضب ويعيد التوازن.
-التصعيد الشعبي: إذا استمر التباطؤ الرسمي، قد تتسع رقعة الاحتجاجات وتتحول إلى حراك شامل يعيد إلى الأذهان موجات 2011 وما بعدها.
– المعالجة الأمنية: وهو السيناريو الأخطر، إذ قد تلجأ السلطات إلى القمع والاعتقالات، مما سيدفع الأوضاع إلى دوامة من العنف وعدم الاستقرار.
– الحوار الوطني: خيار ثالث قد يفرض نفسه، يقوم على إنشاء آليات حوار تشاركي مع الشباب والمجتمع المدني لوضع حلول توافقية، وهو السيناريو الأمثل للحفاظ على استقرار المغرب وصورته كبلد مسالم.
وهنا تقف المغرب بين الفرصة والامتحان، حيث يقف على مفترق طرق، إما أن يستوعب رسائل شبابه ويحوّل الغضب إلى فرصة لإصلاح حقيقي يعزز العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، أو أن يستمر في عناده وسياساته القديمة فيدخل في دوامة فوضى قد تهدد استقراره لسنوات.
إنّ الأوطان لا تُبنى بالاحتفالات الكبرى ولا بالمشاريع العملاقة وحدها، بل تُبنى حين يشعر المواطن البسيط أن كرامته مصانة، وأن الدولة تنصت لآلامه وتستجيب لندائه.














