في زحمة المشهد السياسي والعسكري الراهن، وبين صدى الصواريخ ومآسي المدنيين، يطلّ علينا التاريخ الإسلامي بمراياه العميقة، ليُذكّرنا أن مثل ما يجري اليوم بين المقاومة الإسلامية في فلسطين والكيان الصهيوني ليس حدثًا استثنائيًا ولا طارئًا على مسار الأمة.
فكم من اتفاقاتٍ مشابهة شهدها التاريخ، بين المسلمين وخصومهم، لم تكن هزيمة ولا خيانة، بل كانت محطات لالتقاط الأنفاس، وإعادة الترتيب، واستجماع القوى استعدادًا لجولات قادمة أشد بأسًا وأوسع أفقًا.
يبدو اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته كلٌّ من مصر وقطر والولايات المتحدة بين المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس، والكيان الصهيوني امتدادًا تاريخيًا طبيعيًا لتلك السنن السياسية والعسكرية التي عرفها الإسلام منذ نشأته.
فصلح الحديبية – وهو أحد أعظم الدروس السياسية والعسكرية في التاريخ الإسلامي – لم يكن مجرد هدنة بين المسلمين وقريش، بل كان نقطة تحوّل استراتيجية في مسار الدعوة والدولة.
حينها، اعترض بعض الصحابة على بنود الاتفاق التي بدت غير متكافئة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم، ببصيرته النبوية، أدرك أن الصلح المؤقت لا يعني الضعف، بل قد يكون بوابة النصر.
وما هي إلا سنتان حتى دخل المسلمون مكة دون قتال، بعدما تهيأت الأرضية النفسية والسياسية لذلك عبر اتفاقٍ حكيم ظنّه الناس آنذاك تنازلًا.
لم يكن صلح الحديبية هو المثال الوحيد، بل إن صفحات التاريخ الإسلامي زاخرة بمحطاتٍ مشابهة، فهدنة خالد بن الوليد مع الروم أثناء بعض فترات الاضطراب، حين اختار أن يؤجل القتال ريثما يعيد تنظيم الجيش.
وكذلك اتفاقات صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين، خصوصًا بعد تحرير القدس عام 1187م، إذ قبل هدنةً مؤقتة مع «ريتشارد قلب الأسد» ليُعيد ترتيب صفوفه ويحافظ على إنجاز التحرير.
أما هدنة سيف الدين قطز مع التتار قبل عين جالوت، كانت ليستثمر تلك الفترة القصيرة لبناء التحالف الداخلي وتجهيز جيشٍ موحد، ثم انقضّ في اللحظة الحاسمة فصنع النصر التاريخي.
كل تلك المواقف التاريخية تحمل رسالة واحدة: أن السياسة في الإسلام ليست انفعالًا لحظيا، بل إدارة استراتيجية للنفس والعدو في آنٍ واحد.
لم تكن فلسطين يومًا بعيدة عن هذا النسق؛ فهذه الأرض المباركة كانت مسرحًا لحروبٍ ومعاهداتٍ وصراعاتٍ عبر القرون.
غزاها الصليبيون فاستعادها المسلمون، اجتاحها التتار فنهضت من تحت الرماد، احتلها البريطانيون ثم انتزعت المقاومة منها شرعية البقاء.
واليوم، حين توقع المقاومة الإسلامية – حماس – اتفاقًا لوقف إطلاق النار، فإنها لا تخرج عن هذا السياق التاريخي، إنها تدرك أن الحرب ليست فقط ميدان سلاح، بل أيضًا ميدان وعيٍ واستعدادٍ طويل النفس.
الهدنة، إذن، ليست راحة للمحارب بقدر ما هي مراجعة للمسار.
ففيها يعيد المقاومون ترتيب صفوفهم، وتستخلص القيادة دروسها، وتُرمم الجبهات المتضررة، بينما يحاول العدوّ في المقابل لملمة فشله وإعادة صياغة خططه.
إنها معركة «العقول» بعد معركة «المدافع»، ومن يحسن استثمارها ينتصر في الجولة القادمة.
لقد علّمنا التاريخ أن الكيان الصهيوني – كغيره من أعداء الأمة عبر العصور – لا يفي بعهدٍ ولا يلتزم بميثاق.
فمنذ قيامه على أنقاض فلسطين التاريخية، لم يلتزم باتفاقٍ واحدٍ إلا ليخرقه حين يجد الفرصة.
ولذلك وجب على المقاومة أن تعتبر هذه الهدنة فرصةً مشوبةً بالحذر، وأن تبني على الدرس لا على الوهم.
يقول الله تعالى: «وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ» [الأنفال: 58]
تلك الآية تمثل قاعدة سياسية ربانية، تحضّ على الوضوح في العهود، والحذر من الغدر، والاستعداد الدائم.
ما جرى اليوم في شرم الشيخ المصرية بشأن هدنة غزة ليس نهاية المعركة، بل فصلٌ جديد في ملحمةٍ طويلة.
فليست هذه الهدنة إلا درسًا وفرصة، درسًا في أن الصراع مع الباطل لا يُحسم في جولةٍ واحدة، بل هو ممتدّ بامتداد الزمن.
وكذلك فرصةً لإعادة بناء ما تهدّم، وتحصين الجبهة الداخلية، والإعداد للجولة القادمة بما تملكه المقاومة من وعيٍ وثباتٍ وتجذرٍ في أرضها.
فطالما بقي على هذه الأرض من يقول «لا» للظلم، فإنّ الجولات ستتجدد، ولن يُكتب للنور أن يغيب.
إنّ الهدنة ليست نهاية الحرب، بل إحدى أدواتها، وهي في الفكر الإسلامي وسيلةٌ لالتقاط الأنفاس لا للتنازل، ومرحلةٌ لإعادة التموضع لا للانسحاب.
وما قامت به المقاومة الفلسطينية اليوم ليس سوى امتدادٍ لعقلٍ إسلاميٍّ راشدٍ عرف أن الانتصار لا يُقاس بعدد المعارك، بل بقدر الثبات على المبدأ وحسن إدارة التوقيت.
فلتكن هذه الهدنة فرصة للبناء لا للارتخاء، ودرسًا في الوعي قبل أن تكون هدنةً في الميدان.
«خذوا الحيطة والحذر… اليوم قبل الغد».











