في توقيت بدا فيه المشهد الانتخابي مُحملًا بالقلق، وفي لحظة تكدست فيها الشكاوى وارتفعت الهمسات حول محاولات العبث بإرادة الناس، وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بصرخات المرشحين والعديد من التجاوزات، جاء توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الهيئة الوطنية للانتخابات كخط فاصل بين الفوضى والانضباط.
التوجيه كان واضحًا لا يحتمل التأويل: التزموا بالتحقيق.. دققوا.. واحموا أصوات المصريين من أي تلاعب.
وبالفعل، لم تمض ساعات حتى أعلنت الهيئة إعادة الانتخابات في عدد من الدوائر عبر المحافظات، وهو إعلان يُثبت أن هناك من حاول حرف المسار، وأن هناك من كان مستعدًا للتغاضي لولا التدخل الرئاسي الحاسم.
لكن.. ماذا لو لم يتدخل الرئيس؟ ماذا لو تُركت الشكاوى تتراكم بلا استجابة؟ وماذا لو اعتُبر التلاعب مجرد «هفوة انتخابية» يمكن طيها؟
كيف كان سيكون شكل الثقة العامة؟ وكيف كان المواطن سيقتنع بأن صوته له وزن وأن إرادته لها قيمة؟
لو لم يتدخل الرئيس، لربما مرّ البعض على التجاوزات مرور الكرام،
لو لم يتدخل، لربما أصبح الظلم سياسة، والعبث واقعًا، والصمتُ قاعدة.
ولو لم يتدخل، لربما قال الناس: «لماذا ننتخب أصلًا إذا كان غيرنا يقرر نيابةً عنّا؟».
لكن خطورة السؤال لا تقف عند حدود صناديق الانتخابات، السؤال يمتد إلى ما هو أبعد.. إلى بنية الدولة نفسها.
كم مرة احتاج ملف متعثر إلى دفعة رئاسية ليعود إلى مساره؟ كم قرارًا كان يمكن أن يصدر من الجهات المختصة دون انتظار تدخل من أعلى سلطة في البلاد؟ ولماذا – برغم وجود المؤسسات والقوانين – تتكرر الحاجة إلى تدخل رئاسي لإطفاء حرائق يفترض أن تُطفئها الجهات المنوطة بها؟ هذا الخلل لم يعد يمكن تجاهله.
لدينا مؤسسات تمتلك صلاحيات واسعة، لكنها – في بعض الملفات – لا تمتلك الجرأة على اتخاذ القرار، أو لا تتحرك إلا بعد أن تصبح الأزمة مادة للرأي العام.
ثم نسأل: لماذا تتراكم المشاكل؟ ولماذا نفاجأ بالتلاعب؟ ولماذا لا يُحاسب المقصر قبل أن يتحول القصور إلى كارثة؟
اليوم، وبعد أن ثبت وجود تلاعب وبطلان في بعض الدوائر، فإن السؤال الحقيقي ليس من زور؟ بل من ترك الباب مفتوحًا للتزوير؟ ومن أغفل مسؤوليته؟ ومن سيحاسَب على هذا القصور؟
إعادة الانتخابات خطوة شجاعة.. لكن الأجرأ منها هو إعادة الانضباط داخل المؤسسات نفسها، فالدولة الحديثة لا ينبغي أن تنتظر «إشارة من الأعلى» كي تُمارِس دورها الطبيعي، ولا يجوز أن يصبح تدخل الرئيس هو الضمانة الوحيدة لسلامة أي إجراء.
إن تدخل الرئيس هذه المرة أعاد الأمور إلى نصابها، لكن المستقبل لا يحتمل أن نظل ندور في الحلقة نفسها، تجاوزات ثم شكوى ثم توجيه رئاسي ثم تصحيح.
المطلوب الآن مرحلة مختلفة تمامًا، محاسبة حقيقية.. منظومة تحترم القانون.. ومسؤولون يخشون التقصير قبل أن يخشوا العقاب.
ما بعد إثبات التلاعب ليس كما قبله، وما بعد تدخل الرئيس يجب أن يكون بداية لنظام سياسي لا يسمح أصلًا بوجود ثغرة، ولا يحتاج كل مرة إلى سؤالنا الأبدي، وماذا لو لم يتدخل السيد الرئيس؟













