الانتخابات البرلمانية الأخيرة أظهرت مدى هشاشة النظام الحزبي المصري، من بين أكثر من 100 حزب نشط ما بين 10 إلى 12 حزبا، ما يستدعي ضرورة إعادة النظر في قانون الأحزاب السياسية.
قانون نظام الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وليس العبرة هنا بمدى حداثة القانون أو أنه مر عليه الزمن ومضى عليه نحو 48 عاما، شهدت فيها الأنظمة الحزبية تطورا كبيرا على مستوى عمليات الديمقراطية الداخلية، التنظيم والتمويل -مع الأسف- اختصرنا جل مشاكل الأحزاب السياسية في مصر في إشكالية حرية التأسيس، دون الوضع في الاعتبار ديناميات تلك الأحزاب داخليا ومدى فاعليتها في ترسيخ الديمقراطية على المستوى العام.
وحتى الآن لا يعالج القانون أبرز إشكاليتين تواجهان الأحزاب السياسية في مصر وهما: التمويل، وقضايا وعمليات الديمقراطية الداخلية.
يُفترض في أي قانون للأحزاب أن يُعامل جميع الأحزاب على قدم المساواة، وأن يضمن لها حرية التنظيم الداخلي والتعبير والتجمع دون تمييز، وتختلف قوانين الأحزاب عن الدساتير في أنها أكثر تفصيلاً في مسائل تشغيل الأحزاب، وقد جاءت أول صياغة حديثة لها في ألمانيا عام 1967، التي أصبحت نموذجًا استلهمته دول عدة في أوروبا الغربية والشرقية لاحقًا، بل وحتى في أفريقيا.
مرجع ذلك أن قانون الأحزاب الألماني بأهميته الخاصة في ترسيخ مبدأ الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، من خلال وضع قواعد تفصيلية تُلزم الأحزاب بالشفافية، وانتخابات داخلية دورية، ومحاسبة قياداتها.
وقد ساهم هذا الإطار التنظيمي الدقيق في تعزيز الديمقراطية على المستوى العام، إذ أوجد أحزابًا أكثر انتظامًا ومسؤولية وارتباطًا بقواعدها، ما جعل النظام الحزبي الألماني أحد أكثر النظم استقرارًا وفاعلية في أوروبا.
وهذه القوانين تركز على تنظيم الأنشطة الداخلية والخارجية للأحزاب، وشروط تسجيلها وتمويلها، وقد تتضمن قواعد تخص العضوية والهياكل التنظيمية، كما تُدرج بعض التشريعات تفاصيل تخصّ الديمقراطية الداخلية، مثل آليات اختيار القادة والمرشحين، كما هو الحال في ألمانيا والبرتغال وسلوفينيا، بينما تترك اللوائح الأساسية للأحزاب تحديد التفاصيل التنفيذية لهذه العمليات.
ويلاحظ أن أغلب قوانين الأحزاب تميل إلى التركيز على النص على استقلال الأحزاب وحرية تكوينها كما في الحالة المصرية، فيما اتجه بعضها إلى التركيز على الأحكام الخاصة بالإجراءات والعمليات الداخلية للوائح النظام الأساسي الداخلية للأحزاب، وهكذا يعمل التنظيم القانوني للأحزاب السياسية على إضفاء الطابع المؤسسي الذي تفتقر إليه الأحزاب السياسية، ومن ثم زيادة كفاءتها التنافسية في الانتخابات.
كما تعمل تلك القوانين على دفع الأحزاب لتقديم خيارات سياساتية أفضل ومرشحين أكثر كفاءة وأكثر قدرة على خوض منافسات انتخابية حقيقية.
أتمنى أن يكون على رأس الأجندة التشريعية للبرلمان القادم قانون جديد للأحزاب السياسية يعالج قضايا التمويل والديمقراطية الداخلية، وهي مهمة لن تكون صعبة، فقد أفرد الحوار الوطني في مناقشات المحور السياسي مساحات كبيرة لمناقشة واقع الحياة الحزبية والإشكاليات والمعوقات المتعلقة بها، وتوصيات تلك الجلسات متاحة لدى الأمانة الفنية للحوار الوطني.
حان الوقت لقانون جديد للأحزاب السياسية، والتجربة الحزبية المصرية التي تعود إلى عام 1907 أي أكثر من 118 عاما ما يؤهلها لأن تكون التجربة الحزبية الأقدم على مستوى المنطقة، تستحق ما هو أفضل من قانون رقم 40 لسنة 1977.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














