في تاريخ مصر الحديث، تظل ثورتا 23 يوليو 1952 و30 يونيو 2013 علامتين مضيئتين في مسيرة الوطن، إذ جاءت كل منهما في لحظة فارقة حمل فيها الجيش المصري، مدعومًا بإرادة شعبه، مسؤولية تاريخية لحماية الدولة وصناعة مستقبلها.
وبين يوليو ويونيو، تتجسد ملحمة وطنية تؤكد أن مصر، كلما واجهت التحديات، استعادت قوتها بوحدة شعبها وصلابة جيشها، لتثبت أن الأوطان العريقة لا تنكسر، بل تزداد قوة كلما اشتدت المحن.
في تاريخ الأمم محطات فارقة لا تقاس بعدد السنوات التي تفصل بينها، وإنما بحجم التحولات التي صنعتها، وما تركته من أثر في وجدان الشعوب ومستقبل الدول.
وفي التاريخ المصري الحديث، تبرز ثورتا 23 يوليو 1952 و30 يونيو 2013 باعتبارهما من أهم تلك المحطات التي أعادتا رسم المشهد الوطني، كل في سياقها التاريخي، وكل استجابة لتحديات فرضتها ظروف زمانها، لكنهما التقتا في هدف واحد هو الحفاظ على الدولة المصرية وصون مستقبلها.
في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، تحرك الجيش المصري بقيادة الضباط الأحرار ليضع نهاية لمرحلة سياسية واجتماعية معقدة، ويفتح الباب أمام مشروع وطني جديد أعاد للمصريين الشعور بالسيادة والاستقلال، ورسخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وأطلق مسيرة بناء الدولة الحديثة، لتصبح يوليو علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، ونقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التحرر الوطني والتنمية الشاملة.
وبعد أكثر من ستة عقود، وجدت مصر نفسها أمام تحد لا يقل خطورة، بعدما دخلت البلاد مرحلة من الاضطراب السياسي والاستقطاب المجتمعي، وتصاعدت المخاوف على هوية الدولة ومؤسساتها.
وفي الثلاثين من يونيو عام 2013، خرج ملايين المصريين في مشهد استثنائي تعبيرا عن إرادتهم، ليأتي تدخل القوات المسلحة استجابةً للإرادة الشعبية، حفاظًا على كيان الدولة ومؤسساتها، لتبدأ مصر مرحلة جديدة عنوانها استعادة الاستقرار، وترسيخ الأمن، والانطلاق في تنفيذ مشروعات قومية وتنموية غير مسبوقة، مهدت لقيام الجمهورية الجديدة.
ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين الثورتين، فإن القاسم المشترك بينهما كان ذلك التلاحم الفريد بين الشعب المصري وجيشه الوطني، وهي العلاقة التي شكلت عبر العقود صمام الأمان للدولة المصرية.
في كلتا المحطتين، لم يكن الجيش طرفًا يسعى إلى مكسب سياسي، بل كان المؤسسة الوطنية التي تحملت مسؤولية حماية الدولة والحفاظ على وحدتها في لحظات مصيرية، بينما كان الشعب حاضرا بإرادته الحرة، مؤكدًا أن الوطن فوق الجميع، وأن استقراره لا يقبل المساومة.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بما تتمتع به من مؤسسات وطنية راسخة، وشعب واع، وجيش محترف يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
منذ ثورة يوليو وحتى ثورة يونيو، ظل الجيش المصري يؤدي دوره الوطني في حماية حدود البلاد، وصون مقدراتها، والحفاظ على تماسك الدولة في مواجهة التحديات، انطلاقا من عقيدته الراسخة بأن أمن مصر واستقرارها مسؤولية لا تقبل التفريط.
المقارنة بين يوليو ويونيو ليست مقارنة بين حدثين تاريخيين فحسب، وإنما بين ملحمتين وطنيتين جسدتا قدرة الدولة المصرية على تجاوز الأزمات وإعادة تصحيح المسار كلما واجهت تحديًا مصيريًا.
إذا كانت ثورة يوليو قد أرست دعائم الدولة الوطنية الحديثة، فإن ثورة يونيو حافظت على بقاء هذه الدولة، وأعادت إليها الاستقرار، ووفرت البيئة اللازمة لاستكمال مسيرة البناء والتنمية، لتظل مصر قوية بمؤسساتها، عصية على محاولات الفوضى أو الانهيار.
واليوم، وبعد مرور أربعة وسبعين عامًا على ثورة يوليو، وأكثر من ثلاثة عشر عاما على ثورة يونيو، تبدو الرسالة أكثر وضوحا من أي وقت مضى؛ فالثورات الحقيقية لا تُقاس بلحظة اندلاعها، وإنما بما تتركه من أثر في حاضر الوطن ومستقبله. وبناء الدول لا يتحقق بالشعارات، بل بالعمل، وترسيخ المؤسسات، وتحقيق التنمية، وصون الأمن والاستقرار، وهي معركة لا تزال مصر تخوضها بثقة وإصرار.
لم تكن ثورتا يوليو ويونيو مجرد تاريخين يضافان إلى سجل المناسبات الوطنية، بل كانتا لحظتين فاصلتين أعادتا رسم مسار الدولة المصرية في منعطفين بالغَي الخطورة.
وإذا كانت الأولى قد دشنت مشروع الدولة الوطنية الحديثة، فإن الثانية حافظت على الدولة نفسها من الانهيار، لتؤكد أن مصر تمتلك في كل مرحلة من تاريخها القدرة على تصحيح مسارها عندما تتكاتف إرادة شعبها مع قوة مؤسساتها الوطنية.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة مصر لم تكن يومًا في السلاح وحده، ولا في الشعارات وحدها، وإنما في وحدة شعبها، وتماسك جيشها، وصلابة مؤسساتها، وإيمان أبنائها بأن الوطن أكبر من كل الخلافات.
وبين يوليو ويونيو، كتبت مصر فصلين من أنصع فصول تاريخها الحديث، وسيظل هذان التاريخان شاهدين على أن هذه الأمة، مهما اشتدت عليها الأزمات، قادرة على النهوض من جديد وصناعة مستقبلها بإرادتها الحرة وعزيمة أبنائها، لتبقى مصر، كما كانت عبر آلاف السنين، وطنا لا يعرف الانكسار، ودولة تصنع التاريخ كلما دعاها الواجب.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














