ليس كل الغياب موتا، فبعض الرجال حين يرحلون يتركون خلفهم حضورا أشد عمقا من البقاء، أسماء لا تمر في الذاكرة عابرة، بل تستقر في الضمير، وتتحول إلى معنى، وإلى درس، وإلى أثر لا يبهت مع الزمن، وفي الثلاثين من يناير، لا استعيد تاريخا فحسب، بل يستحضر سيرة معلم صنع الوعي، وربى الكلمة، وترك في الأرواح بصمة لا تمحى.
لا يمر ذكرك إلا مقرونا بكل خير، ففي كل عام، ومع حلول الثلاثين من يناير، يعود الاسم إلى القلب قبل الذاكرة، ويقف الدعاء إجلالا للعلم لا يغيب، ولأثر لا يزول، أترحم على أستاذي ومعلمي الأول، الدكتور عبد الله عمران، رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدم في ميزان حسناته.
أقف أمام الكتابة عنه بخشوع المعنى، لا عجز القلم؛ فالمقام أسمى من أن تحيطه الكلمات، واللغة مهما سمت تبقى دون ما يستحقه معلم صنع الفارق في الأرواح قبل العقول، إليك يا من غرست القيم النبيلة، ورسخت السلوك القويم، وآمنت بالمواهب قبل أن تؤمن هي بذاتها، فكنت الدافع الصادق، والمرشد الأمين، واليد التي امتدت بالخير دون انتظار مقابل.

رحمك الله على كل حرف علمته، وكل عقل أنرته، وكل صحفي تشكلت ملامحه المهنية الأولى في دار «الخليج» العريقة، ذلك الصرح الذي حمل رسالتك، وواصل المسيرة، وخرج أجيالا حملت الكلمة مسؤولية، والصدق منهجا، والوطن غاية.
رفعت راية العلم عاليا، ولم تكن يوما عابرا في المكان، بل جزءا أصيلا من روحه، عشت بين زملائك وتلاميذك ببساطة الكبار، وأمانة العارفين بقيمة الرسالة، وعشق صادق للوطن والمؤسسة، آمنت بأن العلم طريق البناء، وبأن الصحافة رسالة وضمير، فكنت نموذجا في العطاء والانتماء.
وإليك اليوم يتقدم العرفان من كل من نهل من علمك، وتشكل وعيه على يديك، ولا تزال بصماتك الأولى حاضرة في تفاصيل حياتهم، فمهما امتد العمر، يبقى الامتنان متجها إلى أولئك الذين وضعوا اللبنات الأولى، فصارت للحياة قيمة، وللجهد معنى، وللنجاح جذور راسخة.
وأشهد، كما يشهد غيري، أنك كنت مثالا للقيادة المتزنة، تجمع بين الحزم حين يكون واجبا، واللطف حين يكون حكمة، وبين الصرامة المهنية والإنسانية الرفيعة، لم نسمع منك إلا الكلمة المهذبة، ولا رأينا منك إلا الخلق الرفيع، حتى في أشد لحظات الاختلاف.
ستبقى، مثلنا الأعلى، نبراسا لا ينطفئ، وقدوة يهتدى بها، وأثرا ممتدا في الأجيال، مكانتك في القلوب محفوظة، وذكراك حية، وأعمالك شاهدة.
وتبقى الحياة، بكل ما تحمل من منح ومحن، مدرسة كبرى، وما تعاقب الأيام إلا رسائل نتعلم منها، نأخذ من صفوها دافعا، ومن عثراتها وعيا، لنمضي أكثر فهما، وأكثر اتزانا، وأكثر وفاء لمن علمونا كيف تكون الكلمة مسؤولية، والإنسان قيمة.
رحمك الله بقدر ما أعطيت، وبقدر ما تركت من أثر لا يزول.













