لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على قراءة الخطر قبل أن يصل، وعلى الصمود حين تتكالب العواصف من كل اتجاه، ومصر، اليوم، تقف في قلب مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه النيران المشتعلة مع حسابات القوى الكبرى، في لحظة تشبه ما قبل الانفجار الكبير.
ما تشهده المنطقة لم يعد مجرد صراعات تقليدية، بل إعادة تشكيل لخريطة النفوذ، حيث تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل فيالشرق ال مواجهة مفتوحة مع إيران، بينما تتسع رقعة التوتر لتشمل أكثر من ساحة في إشارات متلاحقة إلى أن المنطقة على حافة تحولات جذرية.
تصبح مصر هدفًا ضمنيًا وسط هذا المشهد في معادلة الضغط، لا باعتبارها طرفًا مباشرًا في الصراع، بل باعتبارها حجر التوازن الذي لا يمكن تجاوزه.
الدولة التي بقيت لعقود تمسك بخيوط الاستقرار الإقليمي، تجد نفسها اليوم مطالبة بالدفاع عن توازن دقيق بين حماية أمنها القومي وعدم الانجرار إلى ساحات استنزاف مفتوحة.
الضغوط ليست خارجية فقط، بل تتسلل أيضًا عبر الاقتصاد، حيث تتحول الحروب البعيدة إلى أعباء يومية على المواطن، من ارتفاع الأسعار إلى اضطراب الأسواق.
هنا تتجلى أخطر أدوات الصراع الحديثة: إنها ليست الصواريخ وحدها، بل إنها معركة إنهاك طويل تستهدف الداخل قبل الحدود.
ويبقى أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم التحديات، بل محاولات بث القلق واليأس، وتصوير الدولة كأنها عاجزة عن المواجهة.
هذه ليست قراءة بريئة، بل جزء من حرب نفسية تسعى إلى إضعاف الثقة، تمهيدًا لإرباك الداخل، فالدول لا تسقط فقط بالضربات المباشرة، بل حين تفقد تماسكها الداخلي.
مصر التي تجاوزت أزمات أكثر حدة، تعرف أن معارك البقاء لا تُحسم بالانفعال، بل بالوعي والصلابة.. المطلوب اليوم ليس تجاهل الخطر، بل إدراكه دون تضخيم، ومواجهته دون تهور، إنها معادلة صعبة، لكنها ليست مستحيلة.
باختصار.. نحن لا نعيش لحظة عابرة، بل فصلًا جديدًا من صراع طويل على هذه المنطقة، ومصر، بحكم موقعها وثقلها، ليست خارج هذا الصراع، لكنها أيضًا ليست الحلقة الأضعف فيه.
بين الاستهداف والصمود، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الداخل، لأنه خط الدفاع الأول.. وربما الأخير.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













