ليس أقسى على النفس من أن يُطعن الإنسان في أخص خصوصياته، فكيف إذا كان هذا الإنسان طفلة، والسلاح هو «لقمتها»، والواخز هو من يُفترض به أن يكون مربيا وأبا؟ إن الواقعة الأخيرة التي شهدت تهكم مسؤول على فطور طالبة بسيطة، لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت تجسيدا حيا لفقر المشاعر وجفاف القلوب أمام كبرياء البسطاء.
في بيوتنا المصرية الأصيلة، يمثل «رغيف الخبز وكيس الفول» ملحمة يومية من الكفاح.. خلف هذا الفطور البسيط يقف أبٌ واجه أعباء الحياة واشتعال الأسعار ليرسل ابنته إلى مدرستها وهي «مستورة» الخاطر والبدن. أن يأتي «رجل مسؤول» ليتخذ من هذا الستر مادة للسخرية، هو إفلاس أخلاقي ينم عن انفصال تام عن واقع الناس وآلامهم.
إن هذا الفطور ليس مدعاة للخجل، بل هو وسام شرف لكل أسرة ترفض الانكسار أمام ضغوط المعيشة، وتصر على أن يظل أبناؤها في صفوف العلم، متمسكين بكرامتهم قبل كتبهم.
إن جوهر العملية التعليمية يبدأ من «الاحتواء».. المسؤول الناجح هو من يفتش في عقول الطلاب عن الإبداع، وفي نفوسهم عن الأمل، لا من يفتش في أدراجهم ليتندر على طعامهم. السخرية من «طريقة الأكل» أو «بساطة الزاد» ليست توعية، بل هي طعنة في كبرياء الطفولة، ومحاولة بائسة لكسر نفس لا تملك من حطام الدنيا إلا عفتها.
إلى ابنتنا الصابرة: لا يكسركِ من رأى القشرة وذهل عن اللب؛ فلقمتكِ طاهرة، وعرق أبيكِ غسيل لذنوب الدنيا، ومن سخر منكِ قد كشف عن قبح داخله لا عن نقص فيكِ.
إلى كل مسؤول: المنصب تكليف لخدمة الخلق، وليس منصة لممارسة الفوقية على أحلام الصغار.
نحن لا ندافع هنا عن «طالبة»، بل ندافع عن «قيمة»، ننتصر لشهامة المصريين التي ترى في «اللقمة الهنية» بركة، وفي «ستر العيوب» دينا.
إن كيس الفول الذي أزعج رقة مشاعر المسؤول الزائفة، هو ذاته الذي سيخرج منه جيل صلب، يعرف قيمة اللقمة، ويقدر معنى الشقاء، ولن ينسى أبدا من جرح قلبه الصغير وهو يحاول فقط.. أن ينمو.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













