كلما تابعت أخبار نادي الزمالك خلال السنوات الأخيرة، ازددت اقتناعًا بأن بينه وبين الدولة المصرية شبهًا يستحق التأمل، قد يبدو التشبيه غريبًا للوهلة الأولى، فكيف نقارن دولة بحجم مصر، بتاريخها وحضارتها وموقعها وثقلها الإقليمي، بنادٍ رياضي مهما بلغت شعبيته؟
لكنني لا أقارن بين الحجم، وإنما أقارن بين الحالة، كلاهما يمتلك من الإمكانات ما يكفي ليكون في موقع أفضل كثيرًا مما هو عليه الآن، وكلاهما يعاني من أزمات متكررة كان يمكن تجنب جانب كبير منها لو وجدت إدارة أكثر كفاءة وقدرة على التخطيط.
أحيانًا أقرأ قائمة مشكلات الزمالك فأشعر بالدهشة، قضايا لا تنتهي، مديونيات متراكمة، نزاعات قانونية، عقوبات، إيقاف قيد، نزيف مالي، تغيير إدارات، صراعات داخلية، حتى أصبحت الأزمات أرقامًا يصعب تذكرها، خمس عشرة قضية، عشرون قضية، ثلاث وعشرون قضية.
لم يعد الرقم مهمًا بقدر ما أصبحت الأزمة نفسها نمطًا متكررًا، والمدهش أن النادي، رغم كل ذلك، ما زال قائمًا، ما زال ينافس، ما زال يملك جمهورًا يعشقه حتى درجة الألم، وما زال قادرًا بين حين وآخر على تحقيق بطولة أو صناعة فرحة.
وهنا أتذكر مصر، دولة تواجه تحديات اقتصادية هائلة، وأعباء ديون ضخمة، وضغوطًا إقليمية ودولية معقدة، ومع ذلك ما زالت تقف على قدميها، ما زالت مؤسساتها تعمل، وما زالت الدولة قادرة على فرض وجودها وحماية استقرارها وسط منطقة تموج بالأزمات.
لكن كما يعاني جمهور الزمالك من أخطاء إداراته المتعاقبة، يعاني المواطن أيضًا من نتائج القرارات الخاطئة وسوء ترتيب الأولويات وضعف الكفاءة في بعض المواقع.
ولذلك فإن السؤال الذي يحيرني دائمًا ليس: لماذا تعاني مصر؟ ولا لماذا يعاني الزمالك؟ بل كيف تستطيع كل هذه الإمكانات الهائلة أن تحقق نتائج أقل كثيرًا من حجمها الحقيقي؟ مصر ليست دولة فقيرة، قد تكون لديها مشكلات اقتصادية، لكن الفقر الحقيقي ليس فقر المال، الفقر الحقيقي هو فقر الإدارة.
لدينا ملايين الشباب، وجامعات عريقة، وعلماء وخبراء، وكفاءات تعمل في أكبر المؤسسات العالمية، وأطباء ومهندسون واقتصاديون وإداريون أثبتوا نجاحهم داخل مصر وخارجها، بل إن المصري حين يخرج إلى بيئة عمل منظمة غالبًا ما يحقق نجاحًا لافتًا.
إذن فالمشكلة ليست في الإنسان، وإنما في الطريقة التي يُدار بها هذا الإنسان، المشكلة ليست في ندرة الكفاءات، وإنما في عدم الاستفادة المثلى منها، كم من كفاءة حقيقية تم تهميشها؟ وكم من صاحب خبرة جرى تجاهله؟ وكم من موقع قيادي شغله من هو أقل كفاءة من غيره؟
ولو نجحت الدولة في بناء منظومة حقيقية تقوم على اختيار الأكفأ، ومحاسبة المقصر، ومكافأة المجتهد، وتقديم العلم على المجاملة، فإن جزءًا كبيرًا من أزماتنا سيتراجع تلقائيًا.
فالإدارة الرشيدة ليست معجزة، إنها ببساطة القدرة على استخدام الموارد المتاحة بأفضل صورة ممكنة، وما يقال عن مصر يقال أيضًا عن الزمالك، فالزمالك لا يحتاج إلى اختراع جديد في عالم كرة القدم، ولا يحتاج إلى اكتشاف قوانين مختلفة عن بقية الأندية.
كل ما يحتاجه هو أن يتعلم من التجارب الناجحة حوله، وأقرب هذه التجارب إليه هي تجربة الأهلي، وأنا هنا لا أتحدث عن المنافسة التقليدية بين جماهير الناديين، ولا عن الانتماء الرياضي.
بل عن تجربة إدارية تستحق الدراسة، فالأهلي لم يصبح مؤسسة قوية لأنه لا يخطئ، ولم يصبح بطلًا لأنه يمتلك لاعبين أفضل دائمًا، بل لأنه نجح عبر سنوات طويلة في بناء منظومة.
منظومة تجعل المؤسسة أكبر من الأشخاص، الرئيس يرحل وتبقى القواعد، المدرب يتغير وتبقى السياسة العامة، اللاعب يعتزل وتستمر المنظومة في إنتاج البدائل.
أما الزمالك فقد ظل لفترات طويلة أسير الأفراد أكثر من المؤسسة، وأسير ردود الأفعال أكثر من التخطيط، وأسير الصراعات أكثر من العمل الهادئ المتراكم، ولهذا تتكرر الأزمات، وتعود المشكلات نفسها بأسماء مختلفة، ويظل النادي يدور في الحلقة ذاتها.
ولو أراد الزمالك أن يبدأ رحلة التعافي الحقيقية فعليه أن ينظر إلى الأهلي لا باعتباره خصمًا، وإنما باعتباره تجربة تستحق التعلم، فالتعلم من المنافس ليس عيبًا، بل هو أحد أسرار النجاح، عليه أن يبني إدارة مستقرة، وهيكلًا ماليًا منضبطًا، ومنظومة تعاقدات قائمة على الدراسة لا على الانفعال، ومنظومة ناشئين حقيقية، وسياسة واضحة لا تتغير كل عدة أشهر.
وحين يفعل ذلك سيكتشف أن البطولات ليست معجزة، وأن الاستقرار ليس حلمًا مستحيلًا، بل نتيجة طبيعية للإدارة الجيدة.
والحقيقة أن مصر والزمالك يقدمان درسًا واحدًا مهمًا، الإمكانات وحدها لا تصنع النجاح، فكم من دولة تملك موارد هائلة وفشلت، وكم من مؤسسة تملك جماهيرية جارفة وتعثر مسارها، وفي المقابل، كم من دول ومؤسسات حققت إنجازات كبرى لأنها أحسنت الإدارة.
ولهذا فإن أملي في مصر لم ينطفئ، وأملي في الزمالك لم ينطفئ، ليس لأن الأزمات قليلة، بل لأنها كثيرة ومع ذلك ما زالا واقفين، فالكيانات الضعيفة تسقط من أول أزمة.
أما الكيانات الكبيرة فتتحمل سنوات طويلة من الأخطاء ثم تعود للنهوض عندما تجد الإدارة التي تعرف كيف تستثمر ما لديها، ومصر لديها ما يكفي للنهوض، والزمالك لديه ما يكفي للعودة، ويبقى السؤال معلقًا: متى تأتي الإدارة التي تحسن استخدام هذه الثروة الهائلة من البشر والإمكانات والفرص؟
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا












