في كل عام، يترقب أصحاب المعاشات بشغف إعلان الزيادة السنوية كأنها طوق نجاة من أعباء الحياة التي تثقل كاهلهم، يتشبثون بآمال أن تحمل هذه الزيادة متنفسًا يخفف وطأة التكاليف المتزايدة.
لكن إصابتهم بخيبة الأمل باتت شبه مؤكدة عندما يكتشفون أن ما يُعلن على الورق سرعان ما يتلاشى في مواجهة واقع ارتفاع الأسعار الجنوني، سواء في الدواء أو الغذاء أو حتى الفواتير.
بمنظور الأرقام، قد تبدو الزيادة البالغة 15% خطوة جيدة، ولكن بالنسبة لمن يعيشون على هذه المعاشات، فهي لا تعدو كونها محاولة يائسة لمجاراة التضخم والغلاء.
المشكلة الحقيقية لا تقتصر فقط على النسبة ذاتها، بل تمتد للفجوة الكبيرة بين قيمة هذه المعاشات وبين متطلبات الحياة الأساسية، فهذه المبالغ لم تعد تلبي احتياجات الأفراد الذين أفنوا عقودًا من حياتهم في خدمة الوطن.
لا يبحث كبار السن عن رفاهية زائدة، ولا يطالبون بامتيازات ترفيهية، كل ما يرغبون فيه هو حياة كريمة بها الحد الأدنى من مقومات العيش بكرامة، بما يضمن لهم تلبية احتياجاتهم الأساسية دون عناء.
كيف يُطلب ممن أفنوا عقودًا في العمل والإنتاج أن يقبلوا بمعاش بالكاد يكفي لسد ضروريات عيشهم؟ خاصة في ظل سباق لا ينتهي مع غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الاحتياجات اليومية.
المحزن هو أن أولئك الذين بذلوا عمرهم في بناء الوطن يجدون أنفسهم، في أكثر مراحل حياتهم ضعفًا واحتياجًا، تحت ضغوط لا يمكنهم احتمالها، صحتهم تتراجع وقدرتهم على الإنتاج تنخفض، لكن تكاليف الحياة تتضاعف بلا رحمة.
ما بين الدواء الذي قد يتحول إلى عبء ثقيل والطعام الذي بات تحديًا يوميًا، تصبح المفاجآت المالية غير المتوقعة بمثابة زلازل تهدد استقرار أسرة بأكملها.
المشكلة ليست مجرد زيادة سنوية تُمنح كمسكّن، بل هي الحاجة إلى حلول جذرية تجعل الحياة الكريمة حقًا وليس امتيازًا مؤقتًا.
المطلوب هو تغيير شامل للنهج المتبع، يُعيد تقدير قيمة المعاشات بالشكل الذي يتماشى مع الواقع الاقتصادي المتغير، ويضمن لأصحابها العيش بكرامة تليق بتضحياتهم.
هذه القضية لا تخص فقط أصحاب المعاشات؛ بل هي قضية ملايين الأسر المصرية التي تعتمد بشكل كلي أو جزئي على هذه المعاشات في تدبير أمور المعيشة.
نتحدث عن مجتمع يمتد ليشمل أكثر من 11 مليون متقاعد يعيلون ما يقرب من 40 مليون فرد، هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في قوائم الحكومة أو أعباء على الموازنة العامة؛ هم أناس قدموا الكثير للوطن ولا يزالون يحلمون بأن يعشوا ما تبقى من أعمارهم بهدوء وأمان.
رسالة إلى كل مسؤول وصانع قرار: أعيدوا النظر في أحوال أصحاب المعاشات، امنحوهم حقوقهم كاملة بدل التعامل معهم كعبء أو مجرد متلقين لمعونات عابرة.
العدالة الاجتماعية الحقيقية تتجلى عندما يشعر هؤلاء بأن جهودهم وتفانيهم لم تذهب سدى وأنهم سيحظون بحياة تحفظ كرامتهم وتمجّد مساهماتهم.
إن زيادة 15% ليست الحل الجذري، كرامة 11 مليون إنسان ليست مجرد رقم يُضاف إلى الرواتب، وراء كل صاحب معاش تكمن أسرة تعاني بصمت، وتأمل في عدالة حياتية تتجاوز الشعارات لتلمس واقعها.
أصحاب المعاشات لا يطلبون المستحيل؛ فقط ينادون بعدم جعل خريف حياتهم موسمًا مستمرًا للمعاناة والحرمان، لن نبلغ العدالة إذا ظل حال هؤلاء يغرق تحت ضغط الحاجة وارتفاع التكلفة.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














