لم يكن التعليم في مصر يومًا مجرد مناهج تُحفظ أو امتحانات تُؤدى، بل كان مشروعًا وطنيًا لصناعة الإنسان.
في مدارس حكومية متواضعة الإمكانات، خرجت أجيال صنعت مجدًا علميًا لا يزال العالم يشهد به، من بين جدرانها عبر طه حسين إلى عمادة الأدب العربي، وانطلق أحمد زويل ليحصد جائزة نوبل، وحمل الدكتور مجدي يعقوب اسم مصر إلى أكبر مراكز الطب في العالم.
لم يكن هؤلاء أبناء مدارس فاخرة، ولا خضعوا لسباقات الدروس الخصوصية، بل كانوا أبناء تعليم آمن بأن العقل هو الثروة الحقيقية للوطن.
كان الطالب يذهب إلى الامتحان وفي قلبه رهبة طبيعية، لكنها رهبة ممزوجة بالأمل والثقة، كان يرى في ورقة الأسئلة فرصة ليجني ثمرة عام كامل من الاجتهاد، لا سيفًا مسلطًا على مستقبله.
وكانت الأسرة تحتفي بالعلم قبل الدرجات، ويظل التفوق نتيجة طبيعية للشغف بالمعرفة، حتى خرج من بين هؤلاء من نافس أساتذته، ورفع اسم مصر في أرقى جامعات ومراكز البحث حول العالم.
أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة تدعو إلى الأسى، تحولت الثانوية العامة إلى موسم للرعب الجماعي، وأصبحت الامتحانات عبئًا نفسيًا يثقل كاهل الطلاب وأسرهم.
ومع انطلاق امتحانات هذا العام، توالت الأخبار عن حالات انتحار ارتبطت بضغوط الامتحانات، سواء قبل دخول اللجان أو بعدها.
وهي وقائع مؤلمة لا يجوز التعامل معها باعتبارها حوادث فردية، بل باعتبارها جرس إنذار يكشف أن الخلل لم يعد في طالب فقد الأمل، وإنما في فلسفة تعليم فقدت إنسانيتها.
ولا يمكن إعفاء الحكومة من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن هذا المشهد، فالدولة ليست مسؤولة فقط عن إعداد أوراق الأسئلة وتأمين اللجان، وإنما عن بناء منظومة تعليمية تصون كرامة الطالب وتحمي صحته النفسية، قبل أن تقيس مستواه العلمي.
وعندما يصبح موسم الامتحانات موسمًا للخوف، وتتحول أخبار الانتحار إلى عناوين متكررة، فإن القضية لم تعد مجرد أزمة تعليم، بل أصبحت قضية أمن مجتمعي تستوجب مراجعة شاملة ومحاسبة حقيقية لكل من ساهم في وصول التعليم إلى هذه المرحلة.
نجاح الحكومات لا يقاس بنسبة النجاح في الشهادات، وإنما بقدرتها على تخريج مواطن يؤمن بالحياة، لا طالب يخشاها.
إن المشكلة ليست في صعوبة سؤال أو طول منهج، وإنما في ثقافة كاملة اختزلت مستقبل الإنسان في امتحان واحد، وجعلت قيمة الطالب مرهونة برقم في شهادة، وهذه ليست رسالة التعليم التي عرفت بها مصر، ولا الرسالة التي صنعت علماءها وروادها.
الأوطان لا تنهض بالدرجات، وإنما بالعقول، ولا تُقاس قوة التعليم بعدد الناجحين، وإنما بعدد المبدعين الذين يصنعهم.
ما أحوجنا اليوم إلى استعادة مدرسة كانت تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة، وتزرع في قلبه الأمل قبل أن تضع في يده ورقة الأسئلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس أن يرسب طالب في امتحان، بل أن يرسب نظام تعليمي كامل في امتحان الإنسانية.
وعندما يصبح العلم، الذي خُلق ليمنح الحياة، سببًا في أن يفقد بعض أبنائنا الرغبة فيها، فلا يبقى أمامنا سوى أن نردد، بحزن وألم ومن التعليم ما قتل.














