مع اقتراب عدد الأحزاب السياسية في مصر من مائة، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى دليلاً على ثراء سياسي وتعددية ديمقراطية، ومع ذلك، تبرز تساؤلات جوهرية: هل يعني تعدد الأحزاب بالضرورة قوة وحيوية في الحياة السياسية؟ أم أن الأمر مجرد تضخم عددي يقابله ضعف في التأثير الفعلي؟
الكثير من المصريين لا يعرفون سوى عدد محدود من هذه الأحزاب، ناهيك عن برامجها أو التفريق بين مواقفها المختلفة، وهذا قد لا يعكس قلة اهتمامهم بالسياسة بقدر ما يكشف عن أزمة أعمق تتمثل في غياب الأحزاب عن الساحة الشعبية واقتصار دورها على البيانات والمؤتمرات والمناسبات الانتخابية.
لا يُقاس الحزب السياسي بعدد أعضائه أو مقاره، بل بحضوره بين الناس، عندما يغيب الحزب عن القضايا اليومية للمواطنين ولا يساهم في مناقشاتها أو تقديم حلول، يتحول إلى كيان شكلي، مهما كان اسمه أو تاريخه، السياسة ليست موسمية، بل تتطلب تواصلاً دائماً مع المجتمع واستماعاً لنبضه وقدرة على تحويل المطالب الشعبية إلى رؤى وبرامج قابلة للتنفيذ.
التجارب الديمقراطية الناجحة تظهر أن قوة الحياة الحزبية لا تعتمد على كثرة الأحزاب، بل على فاعليتها، ففي كثير من الدول، تتنافس أحزاب محدودة العدد لكنها واضحة الهوية، تمتلك قواعد جماهيرية حقيقية، وتقدم برامج متمايزة، وتخضع للمحاسبة من قبل الناخبين، أما التضخم العددي للأحزاب دون تأثير ملموس، فيخلق ضبابية ويضعف ثقة المواطنين في جدوى العمل الحزبي.
اليوم، المطلوب ليس إضافة أسماء جديدة إلى قائمة الأحزاب، بل إحياء مفهوم الحزب ككيان سياسي حي قادر على إنتاج القيادات وصياغة البرامج والتفاعل مع المجتمع، كما أن اندماج الأحزاب المتقاربة في الأفكار قد يكون أكثر فائدة من استمرار حالة التشظي التي تستنزف الجهد دون تحقق أثر سياسي يوازي هذا العدد الكبير من الكيانات.
التحدي الحقيقي ليس في الوصول إلى الحزب رقم مائة أو أكثر، بل في وجود أحزاب يشعر المواطن بأنها تمثله وتدافع عن مصالحه وتجذب ثقته بأفعالها لا بشعاراتها، الديمقراطية لا تُقاس بعدد اللافتات على أبواب الأحزاب، بل بقدرتها على تكوين رأي عام وتقديم بدائل مستقبلية.
السؤال يظل قائماً: هل نحتاج إلى مزيد من الأحزاب، أم إلى أحزاب حقيقية يعرفها الناس وتعرف مشاكلهم؟ الفرق بين هذه السيناريوهات هو الفرق بين تعددية تمنح السياسة حيوية، وتضخم يحولها إلى أرقام بلا معنى.












