لم يكن افتتاح «الأوكتاجون» تزامنًا مع ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو مجرد تدشين لمقر عسكري حديث، بل كان رسالة دولة مكتملة الأركان، تُعلن أن ما بدأته مصر في يونيو 2013 من استعادة للإرادة الوطنية، يتواصل اليوم ببناء مؤسسات القوة وحماية مكتسبات الوطن.
لقد أدركت القيادة المصرية منذ اللحظة الأولى أن الدولة التي نجحت في إنقاذ هويتها من الفوضى، لا يكفيها الانتصار السياسي وحده، وإنما تحتاج إلى قوة رادعة تحمي القرار الوطني، وتصون الأمن القومي في إقليم يموج بالاضطرابات والصراعات.
ومن هنا جاء مشروع تحديث القوات المسلحة، ليس باعتباره سباقًا للتسلح، وإنما استثمارًا في الأمن والاستقرار والتنمية.
ويمثل «الأوكتاجون» نقلة نوعية في مفهوم القيادة العسكرية الحديثة، حيث يجمع بين أحدث نظم القيادة والسيطرة والاتصالات والتكنولوجيا الرقمية، بما يعكس انتقال المؤسسة العسكرية المصرية إلى مرحلة أكثر تطورًا في إدارة العمليات والتخطيط الاستراتيجي، وهو ما يؤكد أن مصر لا تبني جيشًا قويًا فقط، بل تبني عقلًا مؤسسيًا قادرًا على التعامل مع تحديات المستقبل.
إن الربط بين افتتاح هذا الصرح العملاق وذكرى ثورة يونيو يحمل دلالة سياسية عميقة. فالثورة لم تكن مجرد تغيير في السلطة، وإنما كانت لحظة فاصلة استعادت فيها الدولة المصرية مؤسساتها، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية في مواجهة محاولات التفكيك والاختطاف.
واليوم يأتي الأوكتاجون ليجسد أحد أهم ثمار تلك المرحلة، ويؤكد أن بناء القوة الشاملة كان خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل.
كما أن الرسالة تتجاوز الداخل إلى الخارج. فمصر وهي تمتلك هذا المستوى من التطور العسكري والإداري، تؤكد أنها دولة سلام تمتلك أسباب القوة، وأنها لا تسعى إلى تهديد أحد، لكنها في الوقت ذاته قادرة على حماية حدودها ومصالحها وحقوقها بكل كفاءة واقتدار، فالتاريخ يعلمنا أن السلام الحقيقي لا يحميه الضعف، وإنما تحميه القوة الرشيدة.
ولم يكن ما تحقق وليد المصادفة، بل جاء نتيجة رؤية واضحة تبنتها القيادة السياسية، تقوم على أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة. فلا اقتصاد يزدهر بلا استقرار، ولا استقرار يدوم بلا قوة تحميه، ومن هنا توازى بناء المدن الجديدة وشبكات الطرق والموانئ مع تحديث القوات المسلحة، في مشهد يعكس فلسفة الدولة المصرية في بناء الجمهورية الجديدة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن مصر لم تكن تتحرك بردود الأفعال، وإنما وفق تخطيط بعيد المدى، جعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية، وأكثر تأثيرًا في معادلات المنطقة، وأكثر ثقة في مستقبلها.
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو، يصبح افتتاح الأوكتاجون عنوانًا لمرحلة جديدة تؤكد أن الدولة التي استعادت قرارها في 2013، تمضي اليوم بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية، مستندة إلى قيادة تمتلك رؤية، وشعب أدرك قيمة دولته، وجيش يبقى الدرع الحصين والسند الأمين، لتظل مصر قوية بوحدتها، شامخة بمؤسساتها، وعصية على كل من يراهن على إضعافها أو النيل من استقرارها.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













