الأحزاب السياسية لا تواجه اليوم أزمة عدد، بل أزمة ثقة، فالمواطن لا يسأل كم حزبًا يوجد على الساحة، وإنما يبحث عن حزب يشعر بأنه قريب منه، يستمع إلى همومه، ويقدم حلولًا واقعية لقضاياه، اتسعت الفجوة بين كثرة الكيانات وضعف التأثير، حتى أصبح الحضور الحزبي في الشارع أقل بكثير من حضوره في السجلات الرسمية.
الثقة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمؤتمرات، بل بالحضور الدائم وسط الناس، فالحزب الذي يغيب عن المواطن في أوقات الأزمات، ويظهر فقط في مواسم الانتخابات، يصعب عليه أن يطلب ثقة لم يعمل على ترسيخها، لذلك فإن أول خطوة نحو استعادة المصداقية هي العودة إلى الشارع، حيث تُبنى العلاقة الحقيقية بين الحزب والمجتمع.
العودة إلى الشارع وحدها لا تكفي، فالمشهد الحزبي في حاجة إلى مراجعة شاملة، تبدأ بإعادة هيكلة الكيانات الحزبية، وتشجيع اندماج الأحزاب المتقاربة في الرؤى والبرامج، فليس من المنطقي أن يستمر هذا العدد الكبير من الأحزاب بينما يظل تأثير معظمها محدودًا.
الأحزاب القوية لا تُقاس بعددها، وإنما بقدرتها على المنافسة، وإعداد الكوادر، وصياغة البرامج، والتفاعل مع المواطنين، والمساهمة بشكل فعال في غد مشرق للوطن والمواطنين.
ويجب أن يتحول شعار تجديد القيادات وإتاحة الفرصة للشباب والمرأة إلى ممارسة، فالحياة السياسية لا تتجدد بالوجوه نفسها، وإنما بالأفكار الجديدة والقدرة على استيعاب تطلعات الأجيال الصاعدة، التي تبحث عن خطاب مختلف وأداء أكثر اقترابًا من الواقع.
الثقة المفقودة لا يمكن استعادتها دون شفافية داخلية، فالحزب الذي يطالب بالإصلاح والديمقراطية مطالب أولًا بأن يرسخهما داخل مؤسساته، من خلال انتخابات حقيقية، وإعلان برامجه بوضوح، ومصارحة المواطنين بما ينجزه وما يعجز عن تحقيقه.
كذلك، ينبغي أن تنتقل الأحزاب من دور المعلّق على الأحداث إلى دور المبادر، فالمواطن ينتظر من الحزب أن يقترح حلولًا لأزمات الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والبطالة، لا أن يكتفي بإصدار البيانات أو التعليق على ما يجري، فكل مبادرة ناجحة على الأرض تساوي عشرات التصريحات الإعلامية.
إن استعادة ثقة المواطنين لن تتحقق بإضافة أحزاب جديدة إلى المشهد، بل ببناء أحزاب أكثر قوة وفاعلية، تمتلك رؤية واضحة، وقواعد شعبية حقيقية، وبرامج قابلة للتنفيذ، فالدول لا تبني حياة سياسية مستقرة بكثرة الأحزاب، وإنما بأحزاب قادرة على المنافسة وكسب ثقة المجتمع.
تبقى الحقيقة أن المواطن لا يمنح ثقته لمن يرفع أفضل الشعارات، بل لمن يراه حاضرًا إلى جانبه، يسمع صوته، ويدافع عن مصالحه، فالثقة ليست هدية تُمنح للأحزاب، بل مسؤولية تكسبها بالأداء، وتحتفظ بها بالعمل، وتفقدها بمجرد الابتعاد عن الناس.
الأحزاب قد تُنشأ بقرار، لكن لا يمنحها الشرعية الحقيقية سوى المواطن، وبين الأوراق الرسمية وصناديق الاقتراع، يبقى الشارع هو الاختبار الأصعب، فمن يكسب ثقة الناس يكسب المستقبل، ومن يكتفِ بالشعارات سيظل مجرد اسم في قائمة طويلة من الأحزاب التي لم تنجح في صناعة الأثر.














