لم يعد السؤال في عصر الإعلام الرقمي ماذا حدث؟ بل أصبح من روى ما حدث أولًا؟، في الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية تمتلك رفاهية الوقت؛ أما اليوم، فالثواني قد تصنع رواية كاملة، وقد تهدمها.
بين لحظة وقوع الحدث ولحظة وصول الخبر إلى المواطن، تتشكل القناعات، وتُبنى المواقف، ويبدأ الصراع الحقيقي على العقول قبل أن يبدأ على الأرض.
ولهذا، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح أحد أهم أدوات الأمن القومي، لأن أول من يروي الحدث هو الأكثر قدرة على صياغة الوعي، وتحديد اتجاهات الرأي العام، وترسيخ صورة قد يصعب تغييرها لاحقًا، حتى لو ظهرت الحقيقة كاملة.
المشكلة ليست في وجود وكالات أنباء عالمية أو منصات دولية تمتلك أدوات متطورة، فهذا واقع تفرضه طبيعة العصر، المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يسبق الآخرون إلى رواية ما يجري داخل حدودنا، بينما يظل الإعلام الوطني ينتظر، أو يتردد، أو يكتفي برد الفعل.
هنا لا نخسر سبقًا صحفيًا فحسب، بل نخسر مساحة من الثقة، ونترك فراغًا سرعان ما تملؤه الشائعات والتأويلات والروايات المتضاربة.
المواطن لم يعد ينتظر نشرة الأخبار أو البيان الرسمي، بضغطة زر، تصل إليه مئات الروايات والصور والمقاطع، فإذا لم يجد الحقيقة من إعلامه الوطني، فلن يتوقف عن البحث، بل سيبحث عنها في أي مكان آخر، وحينها لن يكون السؤال عن صحة المعلومة، بل عن سبب غياب الرواية الوطنية.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي دولة ليس انتشار الشائعات في حد ذاته، وإنما أن يصبح الآخرون هم المصدر الأول الذي يستقي منه المواطن معلوماته عن وطنه. عندها تبدأ الثقة في التآكل تدريجيًا، ويصبح استعادتها أكثر صعوبة وكلفة.
ولذلك، فإن الإعلام القوي ليس إعلامًا يبرر، ولا إعلامًا يبالغ، ولا إعلامًا يكتفي بالشعارات، الإعلام القوي هو الذي يمتلك المعلومة، ويتحقق منها، ثم يقدمها بسرعة ومسؤولية، واضعًا نصب عينيه أن احترام عقل المواطن هو أساس كل مصداقية.
وليس المطلوب كشف ما يضر بالأمن القومي أو إفشاء أسرار الدولة، فلكل دولة خطوطها الحمراء التي تحمي مصالحها. لكن بين الصمت الكامل والإفراط في الإفصاح مساحة واسعة اسمها الإعلام المسؤول؛ إعلام يوازن بين مقتضيات الأمن وحق المواطن في المعرفة، فلا يترك فراغًا تستغله الشائعات، ولا يفتح الباب لتفسيرات يصنعها الآخرون.
لقد أصبحت معركة الوعي واحدة من أخطر معارك هذا العصر، والسلاح الأهم فيها هو المعلومة الدقيقة في توقيتها الصحيح، فالحقيقة إذا تأخرت، فقدت جزءًا كبيرًا من تأثيرها، بينما يجد التضليل كل دقيقة إضافية فرصة للانتشار والتجذر.
لهذا، فإن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ بشراء أحدث الكاميرات أو بناء الاستوديوهات العملاقة، بل يبدأ ببناء صحفي محترف، ومحرر يمتلك أدواته، ومؤسسة تؤمن بأن السبق والمصداقية ليسا خيارًا، بل واجبًا وطنيًا.
تبقى الحقيقة هي الحصن الأقوى للدول، لأنها لا تحتاج إلى من يجملها أو يزينها، تحتاج فقط إلى من يقدمها في وقتها، كاملة، وواثقًا منها، ففاتورة المصارحة، مهما بدت مرتفعة، تظل أقل بما لا يقاس من فاتورة التضليل، ومن خسارة الثقة، ومن ترك عقول المواطنين أسيرة لروايات الآخرين.














