كانت ليلة ثقيلة على أهالي الضحايا أمام مستشفى القصاصين بالإسماعيلية، بعدما تحولت لحظات عادية إلى مأساة مؤلمة، إثر حادث تصادم مروع بين سيارتين كانتا تقلان عددًا من العمال، وأسفر عن وفاة 18 شخصًا وإصابة نحو 30 آخرين.
وعاش أهالي الضحايا ساعات قاسية أمام المستشفى، بين انتظار خبر يطمئن القلوب، ودموع تبحث عن أحبائها، وأسر لم تكن تتخيل أن تنتهي رحلة أبنائها وذويها بهذه الصورة المفجعة.
وكانت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسماعيلية قد تلقت إخطارًا بوقوع الحادث في منطقة الدواويس التابعة لدائرة مركز القصاصين، وعلى الفور جرى الدفع بعدد كبير من سيارات الإسعاف إلى موقع الحادث، ونقل المصابين إلى المستشفى لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، فيما نُقلت جثامين المتوفين إلى المشرحة تحت تصرف جهات التحقيق.
لكن المأساة لا يجب أن تنتهي عند نقل المصابين أو تشييع الضحايا، بل ينبغي أن تكون هذه الحوادث المؤلمة جرس إنذار يدفعنا جميعًا إلى التوقف أمام أسباب وقوعها، ومراجعة منظومة السلامة على الطرق، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مخالفته للقانون.
كل حادث مروري لا يمثل مجرد أرقام في سجلات الحوادث، وإنما وراء كل ضحية أسرة فقدت أبًا أو ابنًا أو أخًا، وأطفال حُرموا من عائلهم، وأمهات وآباء يعيشون ألم الفقد إلى نهاية العمر.
ولهذا فإن الالتزام بقواعد المرور ليس إجراءً شكليًا أو مجرد تعليمات يجب تنفيذها خوفًا من المخالفة، وإنما هو مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مسؤولية قانونية.
فالقيادة الآمنة تبدأ من احترام حياة الآخرين، والالتزام بالسرعات المحددة، وترك مسافة أمان كافية بين المركبات، وعدم التجاوز الخطر، والتأكد من صلاحية المركبة، إلى جانب ضرورة عدم القيادة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، وعدم استخدام الهاتف أو الانشغال بأي شيء يصرف انتباه السائق عن الطريق.
إن تكرار الحوادث المؤلمة يضع الجهات الرقابية أمام مسؤولية كبيرة في التأكد من تطبيق اشتراطات السلامة، خصوصًا فيما يتعلق بالمركبات التي تنقل العمال، والتأكد من سلامتها الفنية، وعدم تحميلها بأعداد تتجاوز المسموح به، فضلًا عن التأكد من التزام السائقين بقواعد القيادة الآمنة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحميل الجهات الرقابية وحدها مسؤولية مواجهة نزيف الطرق، فالسائق شريك أساسي في صناعة السلامة، والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعية جميعها مطالبة بالمشاركة في نشر ثقافة الالتزام المروري.
ربما تبدأ المأساة بثوانٍ قليلة من التهور، أو تجاوز خاطئ، أو سرعة زائدة، أو انشغال بالهاتف، لكن نتيجتها قد تكون عمرًا كاملًا من الندم.
ولهذا يجب أن تتحول مثل هذه الحوادث إلى درس حقيقي، لا إلى خبر عابر سرعان ما يختفي من صفحات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.
إن نشر ثقافة الأمن والسلامة المرورية أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن حماية الأرواح تبدأ من وعي السائق قبل أن تبدأ من إشارات المرور والكاميرات والعقوبات.
وفي النهاية، تبقى أرواح الضحايا أمانة في أعناقنا، وأفضل ما يمكن أن نقدمه لهم بعد رحيلهم هو أن نتعلم من مأساتهم، وأن نعمل جميعًا حتى لا تتكرر المأساة على طريق آخر، وفي ليلة أخرى، أمام مستشفى آخر.
فكل دقيقة من الالتزام قد تنقذ حياة، وكل لحظة تهور قد تصنع مأساة لا تنتهي.
للمزيد من مقالات الكاتبة اضغط هنا













