لم يكن مشهد تشييع أسرة أسامة في التجمع الخامس مجرد جنازة عابرة، بل كان مشهدًا يختصر حجم الفاجعة التي هزت قلوب كل من عرف هذه الأسرة، وكل من تابع تفاصيل الجريمة التي أنهت حياة أناس لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا يعيشون حياتهم في أمان، ويثقون فيمن حولهم.
ما استوقفني أكثر خلال تشييع الجنازة، ذلك المشهد المؤلم للجيران وهم يقفون والدموع تملأ أعينهم، غير قادرين على تصديق أن المكان الذي كان يضم أسامة وأسرته أصبح خاليًا منهم، وأن الوجوه التي اعتادوا رؤيتها لن تعود مرة أخرى.
الجيران لم يتحدثوا عن شخص عادي، بل شهدوا لرجل أحب الكبير والصغير، وفتح قلبه ويده للفقراء والمحتاجين، وكان يفعل الخير دون أن ينتظر شكرًا أو مقابلًا. كان يساعد من يحتاج، ويقف إلى جوار جيرانه، ولا يفرق بين إنسان وآخر.

فكيف يمكن أن تنتهي حياة إنسان بهذه الصورة؟ كيف يمكن أن يتحول بيت آمن إلى مسرح لجريمة تهز المجتمع كله؟ وكيف يستطيع إنسان أن يجرد نفسه من كل مشاعر الرحمة والإنسانية، فيقتل أسرة كاملة ويحرمها من حقها الطبيعي في الحياة؟
الجريمة هنا لا يجب أن تُختزل في كلمة «سرقة» أو «جريمة عابرة»، فهناك فارق كبير بين جريمة ارتكبها شخص بدافع لحظي، وبين عنف يصل إلى درجة إزهاق أرواح أسرة بأكملها.
إننا أمام سؤال أكبر من الجريمة نفسها: ماذا حدث لنا؟ أنا ابنة هذا المجتمع، ولم أبتعد عنه إلا سنوات قليلة، لكنني أتذكر مجتمعًا كانت فيه العلاقات بين الجيران أكثر دفئًا، وكانت أفراح الجيران أفراحنا، وأحزانهم أحزاننا، وإذا أصاب أحدهم مكروه وجد من يقف إلى جواره.
أتذكر طبق الحلوى الذي كان يدور بين البيوت في النجاح والمناسبات السعيدة، والجار الذي كان يطرق الباب ليسأل عن جاره، والقلوب التي كانت تعرف معنى «الجدعنة» والستر والمساندة.
لم تكن الحياة مثالية، لكنها كانت أكثر بساطة، وكانت الثقة بين الناس جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
أما اليوم، فنحن أمام مشاهد عنف متكررة تجعلنا نتساءل: هل أصبح العنف أقرب إلينا مما نتخيل؟ وهل باتت الكراهية والطمع والحقد قادرة على تحويل إنسان إلى قاتل بلا رحمة؟ هذه الأسئلة لا يجوز أن تمر مرور الكرام.
كل جريمة قتل بهذا الحجم يجب أن تكون محل دراسة اجتماعية وأمنية ونفسية عميقة، لا بهدف معرفة الجاني ودوافعه فقط، وإنما لفهم البيئة التي أنتجت هذا العنف، ومعرفة كيف يمكن اكتشاف مؤشرات الخطر مبكرًا، وكيف نحمي المجتمع من الجرائم قبل وقوعها.
الأمن لا يعني فقط القبض على الجاني بعد ارتكاب الجريمة، وإنما يعني أيضًا دراسة أسباب الجرائم، ورصد المتغيرات الاجتماعية والنفسية التي قد تقود إلى العنف، وتعزيز وعي الأسر والجيران والمجتمع.
وأمام هذه الجريمة المروعة، يطالب كثيرون بأقصى عقوبة يجيزها القانون، لأن دماء الضحايا ليست أمرًا هينًا، ولأن العدالة يجب أن تكون حازمة ورادعة. أما تنفيذ العقوبة، فيجب أن يكون وفق القانون وبعد محاكمة عادلة تستوفي جميع الضمانات القانونية.
وفي الوقت نفسه، علينا ألا نغفل جانبًا آخر أصبح شديد الخطورة في عصر مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد أصبح كثير من الناس يعرضون تفاصيل حياتهم بصورة مبالغ فيها؛ صور المنازل، الممتلكات، السفر، المقتنيات، أماكن الوجود، وأحيانًا تفاصيل دقيقة عن أوقات مغادرة المنزل والعودة إليه.
هذه الحياة المفتوحة أمام الجميع قد تتحول، من دون قصد، إلى مصدر معلومات يستفيد منه أصحاب النوايا السيئة.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان خائفًا أو أن يخفي حياته، وإنما أن يتحلى بالقدر الكافي من الوعي، وألا يمنح الغرباء معلومات تفصيلية عن منزله أو ممتلكاته أو تحركات أسرته.
إن أسرة أسامة لم تكن مجرد أسماء في خبر عن جريمة؛ كانت أبًا وأمًا وأبناء، كانت بيتًا له حكايات وذكريات، وجيرانًا اعتادوا وجودهم، وأشخاصًا تركوا أثرًا في حياة من حولهم. ولهذا فإن الوجع لا ينتهي بانتهاء الجنازة.
يبقى السؤال معلقًا: كيف وصل بنا الحال إلى أن تصبح حياة الإنسان بهذه السهولة أمام الطمع والحقد والجريمة؟
رحم الله أسرة أسامة، ورحم كل ضحية سلبتها الجريمة حقها في الحياة، وألهم أهلهم وجيرانهم وكل من أحبوهم الصبر على هذا الفراق المر.
ويبقى واجبنا جميعًا ألا نكتفي بالبكاء على الضحايا بعد سقوطهم، بل أن نسأل بصدق: ماذا يمكن أن نفعل حتى لا تكون هناك أسرة أخرى تنتظرها جنازة مشابهة؟













