عندما قررت بعد بلوغي سن الستين مراجعة خريطة النساء اللواتي مروا بميداني طوال ثلاثين عاما متصلة ، كنت احاول تذكر ملامح نساء شاركوني طعامي وتقاسموا فراشي ، ومنهم من اعتبرتني اب اعتراف ،فلم تجذع وهي تحكي لي كيف فقدت عذريتها علي يد اول من أحبت ، ثم عندما ركلها ، قررت التواصل مع كل من يقدر علي منحها قدرا وافر من المتعة وعلبة سجائر رخيصة وبعض المال .
الثانية كانت أمراة وقورة ،ترملت قبل أن تبلغ الأربعين وترك لها زوجها عدة أبناء ، كانت تكبرني بعشرة أعوام ، عندما قدمني لها زميلها في العمل وكان يعرفني منذ زمن بعيد ، أخبرها أنني قادر علي إنهاء مشكلة تأخر صرف معاش زوجها ، عندما ذهبت لمقر الشركة البترولية قابلت مديرا كبيرا وسطته في تخليص الاوراق المعطلة ، عندما انتهي الأمر علي خير ،دعتني لزيارتها في بيتها ، يومها تذوقت شفتيها لأول مرة ، كانت منتشية وسعيدة ومستسلمة ،لكنني قلت لها ،انت من اليوم خطيبتي وبيني وبينك مشروع زواج ،لن اسمح لنفسي بتعدي حدودي كخطيب .
امتدت علاقتنا ثلاثين عاما ، أخبرتها في لحظة صفو قبل رحيلها بعشرة أعوام ،انت من اليوم شقيقتي .
الثالثة ، كانت مطلقة ، عرفتها أثناء ترددي علي صديق يعمل مديرا بأحدي شركات الملابس ، جاءت تشكو من تعسف طليقها وقيام زوجته الجديدة بتعذيب ابنتها ،كانت تشبه الممثلة مريهان ،لكن بطعم شعبي ، أدركت منذ النظرة الأولي أنها سوف تصبح صديقتي ،عندما ذهبت لزيارتها في منزلها ، أخبرتني بوضوح أنها بحاجة لرجل يمنحها كل شيء بلا تردد ، كانت واضحة ومريحة ومستمتعة ، قليلة الشكوي ، راضية بالقليل الذي امنحه لها ، عندما طلبت منها أن نحرر عقدا عرفيا ، قالت ،لسنا بحاجة لأوراق قد تقع في يد أحد فنتعرض للأذي انا وانت ، انا لك وحدك ، عندما ينتابك الزهق من علاقتنا ، قالتها بمرح ،ارمي عليا يمين الطلاق .

الرابعة ، عرفتها أثناء عملي بدولة خليجية في بداية هذا القرن ، كانت تعمل سكرتيرة في مكتب الخليجي ، تنتمي لواحدة من دول الشام ، تملك جمالا لافتا ، عيون سوداء متسعة وحواجب كثيفة ووجنات بيضاء لامعة ، ترتدي ملابس تكشف أكثر مما تخفي ، كانت تدعوني لزيارتها كلما ذهب الكفيل لقضاء بعض أموره ، تدخن بنهم ، تؤكد لي انها تقاوم وبشدة فكرة أن تتحول إلي محظية أو أن تنضم لحريم الرجل ، وان أكدت لي أن الرجل محترم ولم يتجاوز في معاملته لها ، هي فقط تعلم أنه يختلس النظر لصدرها المميز دون أن يحاول فعل شيء يقلل من هيبته .
عندما دعتني لزيارتها في مسكنها ،ستديو صغير ، قالت لي انها لاتحتاج أكثر من هذه المساحة ، كانت مطلقة وبلاابناء ، تعودت علي قضاء ليلة كل اسبوع معها في منزلها ، نظرت لي مرة بتركيز وقالت ،هل تعرف ماذا يعجبني فيك ، اومأت برأسي منتظرا أن تكمل حديثها ، اعجبني انك لم تطلب مني أن نتزوج بحجة البحث عن صيغة شرعية لعلاقتنا ، انت تعرف أنني قد اقرر من طرف واحد إنهاء علاقتنا بدون إبداء الأسباب ، وانا حتي هذه اللحظة لاأعرف رجلا غيرك ، ولم يشاركني فراشي أحد سواك ، ثم انك في لحظة قد تجد نفسك وقد تم تفنيشك وانهاء علاقتك العملية وعدت الي بلدك دون عودة ، فلاداعي لمرارة متوقعة أو احساس بالفقد لاتقدر عليه .
الخامسة ، كانت زميلتي في الدراسات العليا بجامعة شهيرة ، عندما علمت في بداية تعارفنا أنني قادم من مدينة ساحلية بعيدة عن القاهرة ، وأنني اعود بعد انتهاء المحاضرات الي بلدي ، دعتني بأريحية شديدة للذهاب معها لمنزلها والمبيت به ، قبلت الدعوة بلا ادني تردد ،وادركت منذ اللحظة الأولى أنني أمام امرأة مختلفة ، نطلق احيانا تعبير امرأة بمائة رجل ، وكأننا نمنح الرجال ميزات لا تتوفر في النساء ، الحقيقة أنني اخترت منذ البداية أن تكون علاقتي بها بعيدا عن المسميات المفتعلة ، صديقة وفقط ، لم انشغل بها حسيا رغم جمالها وخفة ظلها ، شغلني الجانب الأنساني المجرد ، تفاصيل حياتها المزدحمة ، عملها لفترة طويلة كأعلامية بواحدة من القنوات التلفزيونية ، شبكة علاقاتها الممتدة ، صداقات مع ساسة وإعلاميين ورجال أعمال ، معاناة طويلة مع ام رحلت بعد مرضها لسنوات ، حالات من الوفاق القصير والتشاحن المتكرر مع شقيقات ،لكل منهن قصة تستحق التسجيل بمفردها ، اكتشفتها ككاتبة تجيد الغوص في النفس البشرية ، اقتربت منها الي حد التماس ، كانت لاتخجل من البكاء عندما تهاتفني وهي تشكو من بعض الضيق أو عدم وفاء الشقيقات ، كانت تسمح لي عندما نلتقي بأن اضمها في صدري بمرح ، كانت مختلفة ، لكنني كنت وصلت إلي مرحلة لايمكنني فيها الاحتمال .
السادسة ، كانت نموذجا للمرأة القادمة من وسط شعبي متخم بالجروح ، تزوجت وهي صغيرة ، قبل أن تبلغ السادسة عشرة ، علمها زوجها التباع الذي يعمل مساعدا لسائق سيارة نقل كبيرة تدخين الحشيش ، أنجبت منه ثلاثة أبناء ، طلقها زوجها بعد شكك في شرعية اثنين من الأبناء ،كان الحمل يتم أثناء فترة غضبها منه ووجودها في بيت اهلها ، كانت الوقت مابين خروجها من عنده وعودتها لايسمح بحملها منه ،لكنه لم يستطع إثبات ذلك ، وعندما أصبح الحديث في المربع السكني الذي تعيش فيه منتشرا وحكاية يرددونها كل مساء ،قامت بخلعه. عندما عرفتني عليها صديقة مشتركة ، قالت لي هي امرأة تعشق الحياة وليس لديها أي ضوابط ، احترس في علاقتك بها ، لاتعبث معها خارج ملعبك ، هي امرأة قادرة علي اقامة علاقة مع رجل مختلف كل يوم ، لكنها في النهاية غلبانة أقل الاشياء ترضيها ،احتياجاتها المالية محدودة ، عندما قابلتها لأول مرة ، قلت لها أنت امرأة تذكرني بالسمك المملح – يفتح النفس – بغض النظر عن رائحته ، قالت لي بغضب طفولي ،يعني انا – ست معفنة – اومأت بالإيجاب ، وقلت احلي حاجه فيكي انك حقيقية ، طيبة وغلبانة واخرك ميتين جنيه وعلبة سجائر .
السابعة ، وجدت رسالة علي الماسينجر مرسلة منذ ستة أعوام ، تطلب مني أن أكون في حياتها ، هكذا كتبت ، وتركت لي رقم تليفونها ، عندما حدثتها لأول مرة ، أخبرتني أنها تتابعني من قرابة عام وأنها تأمل في أن نصبح اصدقاء ، عندما التقينا اول مرة ، اصطحبتها الي احدي الحدائق ، تناولنا افطارا خفيفا ، حدثتني عن حياتها الشخصية وعن فشلها مرتين في الزواج وعن معاناتها الصحية وعن تفرغها لرعاية امها المريضة ، كانت امرأة مختلفة ، مثقفة ، قادرة علي التواصل معي بلا عوائق رغم الفارق العمري بيننا ، ربع قرن كامل ، لكنها نجحت في محو هذا الفارق الكبير ، تناديني بلفظ التدليل لا بأسمي ، عندما قبلتها لأول مرة ،ادركت لمرة أخيرة حتمية مراجعة خريطة نسائي ، وان انحاز بشكل نهائي لأمراة واحدة قادرة علي منحي فرصة السباحة علي كبر ،رغم أنه معروفا عني عدم اجادتي للعوم ..يتبع
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














