هناك ما هو أصعب من ارتفاع الأسعار، ومن ضغوط الحياة، وأشد قسوة من القرارات الصعبة، أن يشعر المواطن أن صوته لا يصل إلى أحد، وأنه ينطبق عليه المثل الشائع أنه «يؤذن في مالطا.«
المواطن قد يتحمل ويصبر و يقبل بقرارات لا تعجبه إذا عرف لماذا اُتخذت، وإلى أين تقوده، ومتى يمكن أن يرى نتائجها.
لكنه عندما يسأل ولا يجد إجابة، أو يشكو ولا يسمعه أحد، يبدأ الإحساس بأن المسافة بينه وبين مؤسسات الدولة تزداد في الاتساع.
هذه هي المشكلة الحقيقية، فالسياسة في مفهومها الحقيقي ليست أرقاًما وتقارير ومؤتمرات، وإنما حياة ناس، هم أصحاب المصلحة الحقيقيون في أي قرار سياسي أو اقتصادي.
المسؤول الناجح ليس فقط من يحقق أرقاًما جيدة على الورق، وإنما من يستطيع أن ينزل إلى الشارع ويسمع الناس كما هم، لا كما تبدو الأمور في التقارير الرسمية، التي لا تجسد في الحقيقة الواقع المرير.
ليس عيًبا أن تعترف الحكومة بأن هناك مشكلة، فالمصارحة بالحقيقة والاعتراف بمخاطرها وأسبابها، هي البداية الحقيقية للحل.
العيب أن تعرف المشكلة وتتركها تكبر، وتعتمد أسلوب النعامة في التخفي بدفن رأسها في الرمال والهروب من التصدي لها، ثم تبحث بعد ذلك عن مبررات لعدم مواجهتها.
لا ضرر أن يختلف المواطن مع أي قرار حكومي، الاختلاف الطبيعي لا يعني رفض الدولة، كما أن النقد لا يعني بالضرورة رغبة في الهدم.
إنه قد يعني مساهمة فاعلة في الحل وتجنباً لما قد يجلبه القرار الخاطئ من مخاطر تزيد هموم المواطن وأعباء الوطن.
الدولة القوية لا تخشى المواطن الذي يسأل، ولا تخاف من الصحافة التي تنتقد، ولا تنزعج من صوت معارض يضع يده على موضع الخلل، وإنما تتعامل من مبدأ أن الوطن ملك للجميع .
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يخاف الجميع من الكلام، ويسود الصمت، و يتحول المسؤولون إلى ناقلين للأخبار السعيدة فقط، عندما يختفي صوت المواطن، تصبح المشكلة الحقيقية هي الحديث عن المشكلة، لا حلها.
نحن في حاجة إلى سياسة أكثر قرًبا من الناس، وإلى مسؤول يعرف أن المنصب ليس امتياًزا دائًما، وإنما مسؤولية وحساب، وأنه ليس فوق المساءلة والقانون، فالكرسي مؤقت، لكن آثار القرارات قد تبقى سنوات.
لا أحد يطلب من الحكومة أن تمتلك عصا سحرية تحل كل شيء في ليلة واحدة، المطلوب فقط أن يشعر المواطن بأن هناك من يسمعه، ومن يفهمه، ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ .
الناس لا تفقد ثقتها في الدولة لأنها تواجه أزمات، وإنما تفقدها عندما تشعر أنه لا أحداً يسمعها.
وسط هذه الأزمات اسمع الناس قبل أن تحكم عليهم، وأفهم وجعهم قبل أن تشرح لهم الأرقام، فالمواطن ليس رقًما في تقرير، وإنما هو صاحب الوطن ووجهه الحقيقي.












