تحت رمال القناة اللاهبة، لم يُحفر مجرد ممر مائي يربط البحر الأبيض المتوسط شمالا والبحر الأحمر جنوبا، بل كُتبت بالدماء والعرق ملحمة سيادة وطنية لا تقبل المساومة ولا التكرار. والحديث اليوم عن إمكانية رهن قناة السويس مقابل الديون هو جهل غريب ببديهيات التاريخ، وقراءة سطحية تسقط من الحساب الثمن الحقيقي للقناة، ذلك الثمن الذي لم يُدفع بالأرقام أو الصكوك، بل بأرواح مئات الآلاف من الفلاحين المصريين الحفاة الذين اقتيدوا من قراهم تحت بطش نظام السخرة بين عامي 1859 و1869، ليرووا ترابها بعرقهم ودماءهم وهم يصارعون الكوليرا وقسوة العطش قبل أن تجري المياه العذبة عبر ترعة الإسماعيلية.
لقد عاشت مصر تلك التجربة المأساوية من قبل، وحري بمن ينادون برهن القناة أن يتأملوا كيف بدأت أزمات الماضي، فعندما حاول الخديوي إسماعيل التخفيف من الوطأة الإنسانية وإلغاء السخرة، جاء الرد الأجنبي جشعا واستغلالا، وفُرض علينا التحكيم الدولي برئاسة نابليون الثالث، الذي فرض غرامة باهظة بلغت 84 مليون فرنك فرنسي. وتحملت الخزانة المصرية حينها أكثر من 80% من التكلفة الإجمالية للمشروع، والتي تجاوزت 469 مليون فرنك فرنسي وهو ما يعادل نحو 20 مليون جنيه مصري آنذاك.
ومع النفقات الباذخة لحفل الافتتاح في عام 1869، انزلقت البلاد في فخ القروض والفوائد التصاعدية، فاُضطرت مصر لبيع حصتها في أسهم القناة لبريطانيا سنة 1875، ولم يكن ذلك التنازل المالي سوى الممر المباشر الذي عبر منه الاحتلال البريطاني ليدنس أرض مصر عام 1882، لتظل القناة جرحا غائرا يُسرق خيرُه وتباع سيادته بأبخس الأثمان.
إن القناة ليست مجرد أصل استثماري يُعرض في موازنات القروض، بل هي كما وثق الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه المرجعي “ملفات السويس”، رمز الكرامة والسيادة الوطنية. ولأجل هذه السيادة، خاضت مصر معركة التأميم الكبرى في 26 يوليو 1956، عندما أعلن خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر استعادة القناة بعقلية ضابط أركان حسم أمره ضد الاستكبار الأجنبي الذي أراد إذلال الإرادة الوطنية بعد رفض تمويل السد العالي.
وفي خطاب المنشية الشهير، كانت كلمة ديليسبس هي كلمة السر الارتجالية لتوجيه الضباط للسيطرة على مقر الشركة بالإسماعيلية، في لحظة لم تكن قرارا إداريا فقط، بل كانت بعثا لأرواح الأجداد المنسيين تحت الرمال وردا للكرامة المستلبة.
ولم تحتمل القوى الأجنبية استرداد الحق، فشن العدوان الثلاثي في خريف 1956 هجوماً غاشما لكسر الإرادة المصرية، وصبت الطائرات حممها، واكتست مدن القناة بالسواد، لكن بورسعيد ضربت أروع أمثلة الفداء بعدما التحم الأهالي بالتراب، واختلط بياض الكفن بصمود الشرفاء الذين حَموا مدينتهم بأجسادهم العارية حتى اندحر المعتدون.
إن المطالبة برهن قناة السويس اليوم ـ لجس ردة فعل الشارع المصري ـ تسليم أعمى لنفس الفخ التاريخي الذي تدفعه الدول حين تفرط في أصول سيادتها.. القناة شريانُ دم مصري يربط الماضي بالحاضر، ملك للأجيال التي سددت فاتورتها بالدموع والدماء، وليست بضاعة في سوق الرهونات المالية. ومن يظن أن الأزمات الاقتصادية تُحل بالتنازل عن شرف الأوطان، ينسى أن الأزمات تزول وتبقى الشعوب حرة بأرضها، وأن أرضا رُويت بأجساد الشهداء لا تُرهن ولا تُباع ولا تُوهن إرادتها أمام أي دين.













