في السياسة، التوقيت نصف الرسالة، والصياغة نصفها الآخر، أحيانًا يكون الصمت شجاعة، والكلمة في موعدها قوة، أخطر ما يمكن أن يفعله مسؤول ليس أن يتخذ قرارًا خاطئًا، بل أن يقول كلمة خاطئة في المكان والوقت الخطأ، فالقرار يمكن مراجعته، والخطأ يمكن تصحيحه، واللوائح يمكن تعديلها، لكن الكلمة عندما تخرج من فم مسؤول قد تصبح واقعًا لا يمكن سحبه من التداول، ولا تستطيع عشرات البيانات اللاحقة أن تمحو أثره.
هناك تصريحات تطمئن الناس، وتصريحات تربكهم، وتصريحات تفتح أبوابًا كان من الأفضل أن تظل مغلقة، وهناك كلمات لا يقصد صاحبها منها شيئًا، لكنها تُقتطع من سياقها، وتنتشر، وتصبح عنوانًا، ثم يجد المسؤول نفسه مضطرًا إلى شرح ما قاله بدلًا من أن يشرح للناس ما أنجزه.
المسؤول ليس مواطنًا عاديًا أمام الميكروفون، والمنصب ليس تصريحًا مفتوحًا للكلام، هناك كلمات يجب أن تُقال، وكلمات يجب أن تؤجل، وكلمات لا ينبغي أن تخرج أصلًا.
المشكلة أن البعض يتعامل مع المنصب وكأنه يمنحه حق الحديث في كل شيء، وفي كل وقت، وبأي صياغة، وكأن الظهور المستمر دليل قوة، وكأن الإجابة عن كل سؤال انتصار، وكأن الصمت نقص أو تراجع، وهذا خطأ خطير في فهم المسؤولية.
عندما يتحدث المسؤول، لا يسمعه المواطن وحده، تسمعه مؤسسات الدولة، وتسمعه الأسواق، وتسمعه وسائل الإعلام، ويرصده الخصوم والحلفاء، وقد تبني عليه جهات أخرى مواقف وقرارات، جملة واحدة غير محسوبة يمكن أن تخلق ارتباكًا أكبر من أزمة كانت الدولة تحاول احتواءها، لهذا لا نحتاج مسؤولًا كثير الكلام.. نحتاج مسؤولًا يعرف وزن الكلام.
في الدول التي تدير شؤونها بعقل المؤسسات، لا يُترك التصريح المهم للمزاج الشخصي أو لحظة الانفعال، هناك مستشارون ومتحدثون رسميون وخبراء قانون واتصال، مهمتهم ليست التصفيق للمسؤول، وإنما حمايته من نفسه أحيانًا، وحماية المؤسسة من تداعيات كلمة غير محسوبة.
المستشار الذي لا يستطيع أن يقول للمسؤول «لا تتحدث الآن» ليس مستشارًا، بل مجرد متلقٍ للتعليمات، والمسؤول الذي لا يقبل أن يسمع رأيًا مخالفًا قبل أن يتحدث أمام الناس، يضع مؤسسته كلها في مواجهة نتائج كان يمكن تجنبها بجملة واحدة أو حتى بصمت، فالسياسة ليست مسابقة في سرعة الرد، أحيانًا يكون الصمت أكثر مسؤولية من ألف تصريح.
هناك ملفات تحتاج إلى معلومات مكتملة، وأخرى تحتاج إلى تنسيق مؤسسي، وثالثة لا يجوز أن تُناقش أمام الرأي العام بطريقة مرتجلة، والمسؤول المحترف يعرف أن قوله «لا أستطيع الإجابة الآن» قد يكون أكثر احترامًا لعقول الناس وهيبة الدولة من إجابة سريعة لا تستند إلى معلومات كاملة.
المواطن لا يريد مسؤولًا يظهر كل ساعة، وإنما يريد مسؤولًا إذا تحدث شعر أن كلماته خرجت من عقل يعرف ماذا يقول، ولماذا يقول، ومتى يقول، ولذلك فإن معيار قوة المسؤول لا يجب أن يكون عدد التصريحات التي يدلي بها، وإنما عدد المرات التي نجح فيها في أن يجعل كلمته تضيف إلى الدولة بدلًا من أن تضعفها.
لقد آن الأوان أن نفهم أن المنصب العام ليس منصة شخصية، وأن الميكروفون ليس ملكًا لمن يمسكه، وأن التصريح الرسمي ليس مساحة لتجريب العبارات، من يجلس في موقع المسؤولية عليه أن يعرف أنه لم يعد يملك كلماته وحده.
الكلمة قد تطمئن شعبًا، وقد تقلق سوقًا، وقد تفتح أزمة، وقد تغلقها، وقد تُحسب على مؤسسة كاملة، لا على صاحبها فقط.
ولهذا، قبل أن يتحدث المسؤول، يجب أن يسأل نفسه، وأن يسأله مستشاروه، هل هذه الكلمة ضرورية؟، هل هذا هو وقتها؟ هل معلوماتها مكتملة؟، وكيف ستُفهم خارج الغرفة التي قيلت فيها؟
تلك ليست قيودًا على المسؤول، إنها قواعد لحماية المسؤولية، المسؤول الحقيقي ليس الذي يجد إجابة لكل سؤال، ولا الذي يحتكر المشهد، ولا الذي يملأ الشاشات بتصريحاته.
المسؤول الحقيقي هو الذي يعرف أن للصمت توقيتًا، وللكلمة ثمنًا، وللمنصب حرمة، ففي إدارة الدول، ليست كل كلمة تُقال شجاعة، أحيانًا تكون الشجاعة الحقيقية أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














