لا يستطيع مواطن عربي أن ينظر إلى خريطة المنطقة هذه الأيام دون أن يشعر بالخوف والرعب، خوف أم فلسطينية لا تعرف هل سيعود طفلها إلى البيت، وأسرة سودانية تركت منزلها بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، وليبي ينظر بقلق إلى مستقبل بلاده، ويمني اعتاد أن يسمع صوت القصف أكثر مما يسمع صوت الحياة.
هذه ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، ولا مجرد عناوين تتغير من يوم إلى آخر، إنها حياة بشر تتبدل، وبيوت تُهدم، وأوطان تدفع ثمن صراعات لم يخترها مواطنوها.
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة واحدة يمكن احتواؤها، وإنما أصبح أمام سلسلة متشابكة من الأزمات، تمتد من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن والخليج، ومن السودان وليبيا إلى القرن الأفريقي، بينما تتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة تجعل أي شرارة قابلة لأن تتحول إلى حريق أكبر.
وسط هذا المشهد تقف مصر، وهي تعرف أن ما يحدث حولها لا يمكن أن يبقى «حولها» طويلًا.
غزة بالنسبة لمصر، تاريخ من الكفاح والنضال المشترك وآلاف الشهداء، غزة ليست ملفًا سياسيًا بعيدًا، إنها الجغرافيا والتاريخ والحدود والأمن القومي، وهي قبل كل ذلك قضية إنسانية لا يمكن للقاهرة أن تدير ظهرها لها.
والسودان ليس مجرد دولة جارة تعاني حربًا داخلية؛ فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدًا من النزوح والفوضى والدمار، ويجعل مستقبل الدولة السودانية نفسها موضع سؤال.
وليبيا تمثل الجبهة الغربية التي لا تستطيع مصر أن تسمح بتحولها إلى مساحة مفتوحة أمام الفوضى أو التنظيمات المسلحة أو صراعات القوى الخارجية.
البحر الأحمر، فقد أصبح هو الآخر جزءًا من المعادلة، بعدما لم تعد اضطراباته مجرد مشكلة تخص أطراف الصراع، وإنما أصبحت لها انعكاسات على الملاحة والتجارة وقناة السويس والاقتصاد المصري.
وفوق كل ذلك يأتي ملف مياه النيل، بما يحمله من حساسية استراتيجية لا تسمح بالتعامل معه باعتباره مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
هكذا تجد مصر نفسها أمام دائرة من التحديات تكاد تحاصرها من الجهات الأربع، لكن مصر لا تحتاج إلى أن تدخل كل معركة، هي تحتاج فقط إلى ألا تسمح لأي معركة بأن تصل إلى بابها.
هنا تكمن صعوبة اللحظة، فالقوة ليست في استخدامها عند كل أزمة، وإنما في امتلاك القدرة على الردع، والقدرة على التفاوض، والقدرة على بناء التحالفات، والقدرة قبل كل شيء على قراءة المستقبل قبل أن يصبح واقعًا مفروضًا.
الشرق الأوسط تغير كثيرًا، لم تعد قواعد اللعبة القديمة كما كانت، ولم تعد العلاقات بين الدول ثابتة، ولم تعد التحالفات تستند دائمًا إلى ما كان يُعرف بالثوابت التقليدية.
هناك قوى إقليمية تبحث عن نفوذ أكبر، وقوى دولية تعيد حساباتها، ومصالح اقتصادية وأمنية تتغير بسرعة، وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي أن تكون الدولة صاحبة تاريخ، التاريخ يمنحك احترامًا، لكنه لا يمنحك بالضرورة تأثيرًا مستمرًا.
مصر تملك الكثير من عناصر القوة، موقعًا لا يمكن تجاوزه، وقناة السويس، وثقلًا عربيًا وإفريقيًا، ومؤسسات دولة قادرة، وعلاقات مع أطراف دولية وإقليمية متباينة.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو، هل نستخدم كل هذه الأوراق في الوقت المناسب وبالرؤية التي تتناسب مع حجم التحديات؟ لأن المنطقة لا تنتظر، ومن يترك فراغًا سياسيًا لن يظل فراغًا طويلًا؛ سيأتي آخرون لملئه.
ولذلك فإن استعادة الدور المصري لا تعني البحث عن نفوذ لمجرد النفوذ، ولا الدخول في مغامرات عسكرية أو صراعات لا تنتهي، بل تعني أن تكون القاهرة صاحبة مبادرة، لا مجرد صاحبة رد فعل.
أن تطرح الحلول قبل أن تفرض الأزمات نفسها، أن تتحرك دبلوماسيًا قبل أن تتحول الخلافات إلى حروب، أن تستخدم ثقلها العربي والإفريقي والدولي لحماية مصالحها، وفي الوقت نفسه لمساعدة المنطقة على الخروج من دائرة الدم والخراب.
السياسة في النهاية ليست خرائط وحدودًا وممرات مائية فقط، السياسة هي الإنسان، حين تتحدث مصر عن غزة، يجب أن يكون الإنسان الفلسطيني حاضرًا قبل الحسابات السياسية.
وحين نتحدث عن السودان، يجب ألا ننسى ملايين السودانيين الذين يريدون شيئًا بسيطًا جدًا، أن يعيشوا في وطن آمن، وحين تنظر إلى ليبيا، يجب أن ترى شعبًا أنهكته سنوات الانقسام، وحين تحمي البحر الأحمر، فهي تحمي في النهاية اقتصادًا وبيوتًا ومصالح ملايين المصريين، وهذه هي المعادلة التي يجب ألا تغيب.
مصر لا تبحث عن دور لمجرد أن يقال إن لها دورًا، مصر تحتاج إلى دور يحميها ويحمي محيطها في الوقت نفسه، فالمنطقة التي تشتعل من حولنا لن تمنحنا فرصة طويلة للانتظار، إما أن نكون جزءًا من صناعة التوازن الجديد، أو نكتفي بالتعامل مع نتائجه.
واللحظة الحالية ربما تكون واحدة من أكثر اللحظات التي تحتاج فيها المنطقة إلى مصر، مصر العاقلة عندما يندفع الآخرون، والقوية عندما يعتقد البعض أن القوة هي الحل الوحيد، والحاضرة عندما يتراجع الآخرون.
الشرق الأوسط لا يحتاج حريقًا جديدًا، يحتاج من يعرف كيف يطفئ النار دون أن يحرق البيت كله، ومصر، بما تملكه من تاريخ وثقل وموقع، أمام مسؤولية أكبر من مجرد حماية حدودها، مسؤوليتها أن تحمي أمنها، وتدافع عن مصالحها، وتستعيد قدرتها على المبادرة، وتبقى صوتًا للعقل في منطقة أنهكتها الصراعات.
في زمن تتغير فيه الخرائط، لا يكفي أن تحافظ على حدودك، عليك أن تكون حاضرًا عندما تُرسم الخرائط، لأن من يغيب عن صناعة مستقبل المنطقة، قد يجد نفسه يومًا مضطرًا للتعامل مع مستقبل لم يختره.












