أخطر شيء في السياسة، أن تعتاد الشعوب الأزمات، وتتعامل معها على أنها أمر واقع لا مفر منه، في البداية كنا نخاف من مشهد الحرب، ثم اعتدناه.
كان مشهد طفل تحت الأنقاض قادرًا على أن يهز ضمير العالم، وكانت صورة أم تبحث عن أبنائها كافية لإشعال الغضب في كل مكان، كنا نتوقف أمام عائلة تحمل ما تبقى من حياتها وتهرب من بيتها، ونشعر أن شيئًا إنسانيًا في داخلنا لا يحتمل.
تكاثرت الحروب، وتوالت صور الموت، وتزاحمت الأخبار العاجلة، ومع الوقت حدث ما هو أخطر من الحرب نفسها، أننا اعتدناها، وأصبح القصف خبرًا عابرًا، والنزوح مشهدًا مألوفًا، والضحايا أرقامًا تتغير كل يوم، ثم ننتقل إلى خبر آخر وكأن شيئًا لم يحدث.
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية، الحرب لا تقتل الإنسان بالقنابل وحدها؛ أحيانًا تقتله ببطء حين تقنعه بأن الخوف قدر، وأن الفقدان جزء طبيعي من الحياة، وأن لا شيء يمكن تغييره.
من غزة إلى السودان، ومن سوريا إلى اليمن وليبيا، تبدو المنطقة وكأنها تعيش في دائرة مفتوحة من الأزمات. دول تنزف، وشعوب تنزح، ومدن تفقد ملامحها، وأجيال كاملة تكبر وهي تعرف الحرب قبل أن تعرف معنى الاستقرار، والسؤال كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها استمرار الأزمات أسهل من إنهائها؟
هنا تبدأ مسؤولية السياسة، لأنها ليست مجرد مؤتمرات وبيانات واجتماعات مغلقة، وليست لعبة مصالح بين دول كبرى، ولا خرائط يعاد رسمها على طاولات المفاوضات.
السياسة في النهاية هي الإنسان، هي ذلك الطفل الذي لا يعرف لماذا تهدمت مدرسته، وهي الأم التي لا تعرف أين سيكون بيتها غدًا، وهي الأب الذي يحمل عائلته من مدينة إلى أخرى بحثًا عن مكان آمن، وهي الشاب الذي ضاع مستقبله لأن وطنه قرر أن يعيش سنوات في الصراع بدل سنوات في البناء.
أي سياسة هذه التي لا تعرف كيف تنهي الألم؟، لقد أصبح العالم بارعًا في إدارة الأزمات، يجتمع، ويدين، ويتفاوض، ويصدر البيانات، ويرسل المساعدات، ثم يعود الجميع إلى مكاتبهم بينما تبقى الشعوب تحت الأنقاض.
إدارة الأزمة ليست هي حل الأزمة، والتعايش مع الحرب ليس سلامًا، والهدوء المؤقت ليس استقرارًا، والتوقف عن إطلاق النار لا يعني بالضرورة أن أسباب الحرب قد انتهت.
المشكلة أن بعض القوى الدولية أصبحت تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات مفتوحة يمكن إدارتها وفق المصالح، وليس مآسي إنسانية يجب وضع نهاية لها، وحين تطول الأزمة، تصبح لها اقتصادياتها، ومصالحها، وأطرافها المستفيدة، وأصبح هناك من يخسر من السلام أكثر مما يخسر من الحرب.
السؤال، من المستفيد من بقاء المنطقة مشتعلة؟ إنه ليس اتهامًا لأحد بقدر ما هو محاولة لفهم واقع أصبح واضحًا أمام الجميع، الشرق الأوسط ليس فقيرًا في الموارد ولا في العقول ولا في التاريخ، لكنه استنزف سنوات طويلة في صراعات كان يمكن أن تكون فرصًا للتعاون لو انتصرت إرادة العقل على شهية النفوذ.
والعرب تحديدًا دفعوا ثمنًا هائلًا، ثمنًا لا يظهر كله في أرقام الضحايا، هناك أجيال حُرمت من التعليم، وأسر فقد مصدر رزقها، وشباب غادروا الوطن ولم يعودوا، هذه الخسائر لا تعوضها المؤتمرات ولا البيانات.
ومن هنا تصبح مسؤولية الدول العربية الكبرى أكبر من مجرد مراقبة المشهد، المنطقة تتغير بسرعة، والقوى الإقليمية والدولية تعيد ترتيب مواقعها، والفراغ لا يبقى فراغًا، ومن ينسحب من المشهد يترك مساحة لغيره.
الأهم أن نعيد الإنسان إلى قلب المعادلة، لا يمكن أن نبني مستقبلًا عربيًا بينما هناك شعوب لا تعرف كيف سيكون صباحها التالي، لا يمكن أن نتحدث عن التنمية بينما الحرب تلتهم المدن، ولا يمكن أن نتحدث عن الأمن بينما ملايين البشر يعيشون في خوف دائم.
الأمن الحقيقي ليس فقط غياب الرصاص، الأمن أن ينام الإنسان دون خوف، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته دون أن يعرف معنى الملاجئ، وأن تستطيع الأسرة أن تخطط لغدها دون أن تخشى أن تهدم الحرب كل شيء.
أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن تفقد الشعوب قدرتها على الحلم، الغضب يمكن أن يصنع تغييرًا، والخوف يمكن أن يدفع الإنسان إلى البحث عن النجاة، لكن اللامبالاة أخطر من الاثنين.
حين يشاهد الإنسان المأساة ولا يعود يشعر بشيء، وحين يسمع عن مئات الضحايا ثم يواصل يومه وكأن الخبر لا يعنيه، وحين تصبح الحرب جزءًا من الروتين اليومي، نكون أمام هزيمة إنسانية لا تقل خطورة عن الهزيمة العسكرية.
على السياسيين أن يدركوا أن الشعوب ليست وقودًا للصراعات، وعلى النخب أن تتوقف عن تبرير كل شيء باسم الضرورات السياسية، وعلى الإعلام أن يتذكر أن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل صورة مأساة، ووراء كل خبر عائلة لن تعود حياتها كما كانت.
أما المجتمع الدولي، فعليه أن يدرك أن ترك الأزمات تتراكم لن يجعلها تختفي؛ بل سيجعلها أكثر تكلفة وأكثر عنفًا وأكثر صعوبة في الحل.
المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، ولا تحتاج إلى مزيد من الخرائط الممزقة، ولا تحتاج إلى أجيال جديدة تتعلم معنى الفقد قبل أن تتعلم معنى الأمل، إنها تحتاج إلى شجاعة سياسية من نوع آخر؛ شجاعة إنهاء الصراعات، لا شجاعة إشعالها، شجاعة الاعتراف بأن إدارة الألم ليست إنجازًا، وأن تأجيل الانفجار ليس حلًا، وأن السلام ليس تنازلًا، بل استثمار في المستقبل.
الشرق الأوسط إذا ظل يدور في الحلقة نفسها، فلن يخسر حاضرًا فقط، وإنما سيخسر أجيالًا كاملة من المستقبل، الإنسان الذي يعتاد الموت قد يتعلم كيف يعيش معه، لكنه يفقد شيئًا من روحه كل يوم.
لذا فإن معركة المنطقة الحقيقية ليست فقط كيف نوقف الحرب، وإنما كيف نعيد إلى الإنسان العربي إيمانه بأن هناك صباحًا يمكن أن يأتي بلا خوف، السلام لا يبدأ عندما تصمت المدافع فقط.. السلام يبدأ عندما يستعيد الإنسان قدرته على الحلم.












