هناك معارك لا يخوضها الناس دفاعًا عن أراضيهم أو أموالهم، وإنما دفاعًا عن «شجرة» شامخة تحمل عبق التاريخ وذكريات الأجداد وحكايات الأفراح والأحزان، تتعرض فجأة لقصاص أعداء الجمال وأنصار القبح لتقتلع من جذورها.
شجرة معمرة عاشت عشرات السنين، تمد جذورها في الأرض، وتمنح الشارع ظلًا وهواءً وجمالًا، ثم يأتي من يقرر أن مكانها أصبح مطلوبًا للخرسانة أو الأسفلت، فتُقتلع من جذورها وكأنها لم تكن جزءًا من ذاكرة المكان، إنها ببساطة مذبحة الأشجار.
هل أصبح أعداء الجمال أكثر قوة من محبي الجمال؟ بعض هذه الأشجار ليس مجرد نبات يمكن استبداله بشتلة جديدة، إنها أشجار معمرة احتاجت عقودًا حتى تصل إلى حجمها وقيمتها البيئية، واقتلاعها يعني ببساطة إهدار ثروة طبيعية لا يمكن تعويضها بقرار إداري أو حملة تشجير موسمية.
الأكثر غرابة أننا نعيش في زمن نتحدث فيه باستمرار عن ندرة المياه وضرورة ترشيد استهلاكها، بينما تُقتلع أشجار تأقلمت مع بيئتها ومدت جذورها في باطن الأرض، ثم نعود لنزرع شتلات صغيرة تحتاج إلى مياه وري ورعاية سنوات طويلة حتى تكبر، فما الحكمة؟
لماذا نهدم ما أنجزته الطبيعة خلال عشرات السنين، ثم ننفق الأموال والمياه لإعادة إنتاج جزء مما كان موجودًا بالفعل؟ التنمية مطلوبة، والمشروعات ضرورة، وتطوير الطرق حق أصيل للدولة والمواطن، لكن التنمية الحقيقية لا تعني أن يتحول الأخضر إلى ضحية دائمة للخرسانة.
الشارع الذي كان تحفه يكسوها اللون الأخضر المبهج طوال العام، تحول بعد اقتلاع الأشجار إلى مكان موحش أكثر حرارة، وأكثر قسوة، وأقل جمالًا، ومع تكرار المشهد، لا نكون أمام إزالة أشجار هنا وهناك، وإنما أمام تصحّر تدريجي للمدن.
وهنا يصبح السؤال سياسيًا قبل أن يكون بيئيًا، أين وزارة البيئة؟ ما آليات الرقابة؟ من يملك قرار إزالة الأشجار؟ وهل توجد خريطة وطنية للأشجار المعمرة في المدن؟ وهل تخضع عمليات الإزالة لتقييم بيئي حقيقي؟ وهل يكون الاقتلاع هو الحل الأخير فعلًا، أم أصبح في بعض الحالات أسهل الحلول؟
في دول أخرى، لا تُعامل الشجرة بهذه الخفة، في إنجلترا، مثلًا، توجد أوامر حماية للأشجار تمنع قطعها أو اقتلاعها أو إتلافها دون موافقة الجهة المختصة، وتُعد مخالفة هذه الحماية جريمة، وقد تصل العقوبات في بعض صور قطع الأشجار غير المرخص إلى غرامات غير محدودة، كما يمكن أن تفرض السلطات إعادة التشجير والحفاظ على الأشجار البديلة لسنوات.
وفي بعض السلطات المحلية البريطانية، قد تصل الغرامات المتعلقة بالأشجار المحمية إلى أكثر من 20 ألف جنيه إسترليني للشجرة بحسب الحالة والإطار القانوني المطبق.
العالم الذي نحلم بأن ننافسه في جودة الحياة، ينظر إلى الشجرة باعتبارها ثروة عامة لها حرمة وحماية قانونية، بينما ما زلنا في بعض مشاهدنا نتعامل معها كأنها عائق يمكن التخلص منه.
نحن لا نطالب بالإبقاء على شجرة مريضة أو ميتة أو خطرة تهدد حياة المواطنين، لكننا نطالب بأن تكون هناك قاعدة واضحة، لا اقتلاع لشجرة معمرة إلا لضرورة حقيقية، وبعد دراسة متخصصة، ومع إعلان الأسباب، ووجود بديل واضح، ومحاسبة من يخالف.
الأشجار ليست ملكًا لمن يملك قرار قطعها، إنها ملك للشارع، للمدينة، للطفل الذي سيكبر تحت ظلها، وللأجيال التي لم تولد بعد.
وإذا كانت الدولة تحارب التصحر في الصحراء، فعليها أيضًا أن تمنع تصحّر المدن، أما أن تتحول الشوارع إلى كتل من الأسمنت والأسفلت بلا ظل ولا خضرة، فهذه ليست تنمية.
إنها جريمة في حق الجمال، وفي حق البيئة، وفي حق المواطن، والجريمة الأكبر أن نصبح أمام مدينة بلا أشجار، ثم نبحث عن مليارات الجنيهات والملايين من أمتار المياه لنحاول استعادة ما أضعناه بأيدينا.
قبل أن تسقط شجرة أخرى، يجب أن يرتفع صوت السؤال، من قرر؟ ولماذا؟ ومن سمح؟ ومن سيحاسب؟ المدينة التي تقتل أشجارها اليوم، قد تبحث غدًا عن ظل فلا تجده، احموا الأشجار قبل أن يصبح الظل ذكرى.












