تأتي الأزمات الاقتصادية وتراكم الالتزامات المالية، وعلى رأسها الدين الخارجي الذي يقارب أو يزيد عن 160 مليار دولار مع استحقاق أقساطه وفوائده المستمرة في المواعيد الرئيسية الصارمة خلال شهري يناير ويوليو من كل عام، لتضع القوى الناعمة ومجتمع الأعمال أمام مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن المبادرات السياسية والاقتصادية المباشرة.
والمتأمل في طبيعة وهيكلة الدين الخارجي يدرك بوضوح أن الجزء الأكبر من الدين الخارجي لم يُنفق على الرفاهية الاستهلاكية أو مشروعات هامشية، بل ذهب مباشرة لتشييد أركان البنية التحتية الأساسية وتدعيم متطلبات الأمن القومي وتحديث قطاعات الخدمات الشاملة التي تشكل الركيزة لأي نهضة مستدامة، وهو ما يجعل مسألة مساندة الدولة في سداد الدين الخارجي والأقساط السنوية المرتفعة واجبا وطنيا يتجاوز مجرد الحسابات والأرقام المجردة.
وفي التاريخ المصري القريب نموذج ملهم تتجلى فيه هذه الوطنية الناجزة، حيث ضربت سيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم أروع الأمثال عقب نكسة عام 1967 عندما طافت عواصم العالم شرقا وغربا تقيم الحفلات الغنائية الكبرى وتخصص ريعها بالكامل لدعم المجهود الحربي والجيش المصري، ممثلة القوة الناعمة في أبهى صورها في العطاء ومشكلة حائط صد شعبي وفني في وقت كانت البلاد فيه بأشد الحاجة لكل جنيه ودولار لدعم اقتصاد الحرب والكرامة الوطنية.
وإن القوة الناعمة التي تمتلكها مصر اليوم من نجوم الطرب والفن والتمثيل والرياضة، الذين يتمتعون بجماهيرية عريضة داخل الوطن العربي وخارجه، مطالبة بالتقاط هذه الشرارة التاريخية واستلهام التجربة ذاتها عبر إطلاق مبادرة كبرى تنص على تخصيص كامل عائدات ودخل حفلاتهم التي تُقام خلال شهري يناير ويوليو بالكامل لمصلحة صندوق خاص موجه لسداد الدين الخارجي واستحقاقاته المالية. ومما لا شك فيه أن الفن المصري طالما كان حاضرا في المقاطع المفصلية من تاريخ الأمة، وأن كبار الفنانين والنجوم الذين حققوا نجوميتهم وثرواتهم من الوجدان المصري والعربي، يمتلكون حسا وطنيا عاليا وجاهزية نفسية وأخلاقية للمساهمة الفعلية وتلبية مثل هذا النداء إذا ما وُجد الإطار التنظيمي الذي يضمن شفافية التوجيه ووضوح الأثر.
ولا يتوقف هذا الواجب عند حدود المسرح وأهل الفن والرياضة، بل يمتد بنفس القوة والدرجة إلى قطاع رجال الأعمال والتجار والشركات الكبرى التي نمت واستثمرت وحققت أرباحها الاستثنائية تحت مظلة هذا الوطن واستقراره وأمنه القومي، إذ يمكن لهؤلاء الرموز الاستثمارية والمؤسسات الكبيرة اقتطاع نسبة مئوية تتراوح بين 10 و15 في المئة من عوائد صفقاتهم وأرباحهم شبه الشهرية وتوجيهها بشكل مباشر نحو حزمة الدعم الاقتصادي وتخفيف عبء الأقساط السنوية.
وإن ربط حركة التبرع والدعم الشعبي والمؤسسي بالفترات الحرجة التي تتصاعد فيها ضغوط السداد، وتحديدا شهري يناير ويوليو، يعطي تلك المقترحات قوة عقلانية وطنية، ويصنع حالة من التضامن المجتمعي الشامل بين الدولة والقوة الناعمة من فنانين ورجال أعمال، ليؤكد للعالم أجمع أن مصر التي بنى أبناؤها حضارتها على مر العصور، تملك من الوعي والإرادة والنجوم الوطنيين ما يمكنها من تجاوز أعتى العثرات الاقتصادية، كما حدث في بناء السد العالي، وقناة السويس الجديدة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













