لم يعد السؤال الحقيقي: هل تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط؟ السؤال الأكثر واقعية الآن: هل ما زالت أمريكا قادرة على إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التي اعتادت عليها طوال العقود الماضية؟
هذا السؤال الذي بات حديثًا لمجالس أوروبية، بينما يخفت كثيرا في كثير من المجالس العربية، يكتسب أهمية أكبر مع استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية للشهر السابع، ووصول المواجهة إلى واحدة من أخطر نقاطها: مضيق هرمز، والخليج، والبحر الأحمر، وأسواق الطاقة العالمية.
ولحسن الطالع، وصلني العدد الجديد من مجلة The Economist البريطانية عبر البريد الإلكتروني، كوني مشتركًا في خدمتها، فإذا بافتتاحيتها المنشورة في 24 سبتمبر 2026 تضع يدها على السؤال نفسه، وتطرحه من زاوية أكثر اتساعًا.
تحت عنوان «When America walks away» – عندما تمشي أمريكا بعيدًا، ترى المجلة أن الحرب مع إيران، أيا تكن نهايتها، قد تمثل لحظة انتقال تاريخية تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط.
لكن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة تضيف إلى قراءة المجلة سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل بدأت أمريكا فعلًا تفقد احتكار مفاتيح المنطقة، حتى لو لم تغادرها؟
فالولايات المتحدة لم ولن تنسحب من الشرق الأوسط. بل على العكس، ما زالت تمتلك قوات وقواعد وقدرات عسكرية هائلة، وما زالت طرفًا رئيسيًا في الحرب.
لكن المعادلة نفسها بدأت تتغير.
سبعة أشهر من الحرب.. ولا «يوم تالٍ» منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، لم تتحول القوة العسكرية الأمريكية إلى تسوية سياسية نهائية.
بل دخل الصراع في دوامة من التصعيد والتهدئة والوساطات والتهديدات المتبادلة، بينما بقيت القضية النووية الإيرانية، والملاحة في الخليج، وأمن إسرائيل، وأمن دول الخليج، ومستقبل النفوذ الإيراني، ملفات مفتوحة.
وفي أحدث التطورات، قالت مصادر إيرانية لـ«رويترز» إن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية.
والأهم أن إيران قالت إن لديها مقترحًا لإنهاء الأعمال العدائية قدمته إلى واشنطن عبر وسطاء في 16 سبتمبر، وإن وفدها الموجود في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لديه صلاحية لإحياء المسار الدبلوماسي.
لكن واشنطن لم تتعامل مع الطرح الإيراني باعتباره نقطة تحول حتى الآن.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا إلى العزل الاقتصادي الكامل لإيران، وقال إنه يتوقع التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، بينما أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى استعداد واشنطن للحديث مع طهران إذا كان ذلك يمكن أن يقود إلى نتيجة إيجابية.
وهنا تظهر المفارقة: الطرفان يتحدثان عن التفاوض، لكنهما لا يزالان يتحدثان من موقع الحرب.
هرمز… كشف هشاشة المعادلة، قد يكون مضيق هرمز أهم عنوان في هذه الحرب.
فالممر البحري الذي كان شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز العالمية تحول إلى ورقة استراتيجية في الصراع.
إيران تربط إعادة فتحه بتخفيف الضغط الأمريكي ورفع الحصار، بينما ترى دول الخليج أن استمرار إغلاقه أو اضطراب الملاحة فيه يمثل تهديدًا مباشرًا لاقتصاداتها.
وتشير «رويترز» إلى أن دول الخليج الست حريصة على استعادة حركة الملاحة عبر المضيق، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تمنح إيران نفوذًا أكبر مما تراه مناسبًا.
كما أن معظم هذه الدول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية تعرضت لهجمات إيرانية خلال الحرب.
وهنا يصبح هرمز أكثر من مجرد ممر مائي. لقد تحول إلى اختبار حقيقي لنظام الأمن في الخليج.
فإذا كانت حماية الملاحة تحتاج في كل مرة إلى قوة عسكرية أمريكية ضخمة، فإن السؤال يصبح.. ماذا يحدث عندما تتغير أولويات واشنطن؟
الخليج بدأ يفكر بطريقة مختلفة، وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله.
فالحرب لم تؤثر في إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وحدها. لقد دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير في معادلات الأمن الإقليمي.
وتشير «فايننشال تايمز» إلى أن دول الخليج بدأت تدعو إلى إعادة ضبط العلاقة مع إيران، وأن الحرب كشفت نقاط ضعف إقليمية وأثارت تساؤلات حول موثوقية الدور الأمريكي.
وفي هذا السياق، تحدث رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عن الحاجة إلى إطار أمني إقليمي يشمل إيران ودول الخليج، بينما دعا المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش إلى الحوار العربي الإيراني.
كما طرحت السعودية فكرة اتفاق عدم اعتداء إقليمي مع إيران، بحسب الصحيفة. وهذا تطور يستحق التوقف.
لأن الحديث هنا لم يعد عن مفاوضات بين واشنطن وطهران فقط. بل عن سؤال آخر.. هل تستطيع دول المنطقة نفسها بناء نظام أمني لا يعتمد بصورة كاملة على واشنطن؟
بينما تتباين رؤى كل من السعودية والإمارات فالرسالة القادمة منهما ليست واحدة.
وفي الوقت نفسه، لا توجد بالضرورة رؤية خليجية واحدة تجاه الحرب.
فبحسب تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» في 25 سبتمبر، فإن السعودية والإمارات تضغطان باتجاه استمرار الضغط الأمريكي على إيران، بينما تدفع قطر وعُمان باتجاه إحياء المحادثات.
وهذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تكشف أن دول الخليج، رغم اشتراكها في مخاوف أمنية واقتصادية، لا تتحرك جميعها بالدرجة نفسها أو وفق الحسابات نفسها.
فقطر لديها حسابات مرتبطة بالغاز والملاحة والوساطة. والإمارات لديها مصالح تجارية وموانئ ومسارات تصدير بديلة. والسعودية تواجه بصورة مباشرة تداعيات الصراع في اليمن والبحر الأحمر وأمن صادراتها النفطية.
وبالتالي، فإن الحرب نفسها بدأت تدفع كل دولة إلى إعادة حساب تكلفة الاعتماد على أي قوة خارجية واحدة.
البحر الأحمر يدخل على خط النار وإذا كان مضيق هرمز يمثل البوابة الشرقية للطاقة، فإن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان البوابة الجنوبية.
وهنا تتسع دائرة الخطر. فالتوتر لم يعد محصورًا في الخليج. الحوثيون في اليمن يضغطون على السعودية ويهددون خطوط الملاحة والمنشآت المرتبطة بالطاقة.
وأفادت تقارير في 25 سبتمبر بأن الحوثيين أعلنوا إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه الرياض ومنطقة ينبع، فيما أعلنت السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه مناطق في المملكة.
كما حذرت طهران من أن أي تصعيد أمريكي جديد قد يفتح «جبهة جديدة» في البحر الأحمر وباب المندب، بما قد يزيد الضغوط على حركة التجارة والطاقة.
وهنا تتضح الصورة أكثر: الحرب التي بدأت بين واشنطن وطهران لم تعد حربًا بين عاصمتين.
لقد أصبحت أزمة تمتد عبر شبكة من الممرات البحرية والأسواق والتحالفات والقوى المحلية.
أمريكا أمام معادلة لم تعد بسيطة وهذا يعيدنا إلى تحليل The Economist. المجلة لا تقول إن الولايات المتحدة ستختفي من الشرق الأوسط. ولا يعني تراجع الهيمنة الأمريكية أن واشنطن فقدت قوتها.
لكن الفرق بين القوة والقدرة على إدارة النظام الإقليمي أصبح أكثر وضوحًا.
فأمريكا تستطيع أن تضرب إيران.
وتستطيع فرض عقوبات.
وتستطيع تحريك الأساطيل.
وتستطيع حماية حلفائها.
لكن ماذا بعد؟
كيف تنتهي الحرب؟
من يضمن أمن الخليج؟
كيف يعاد فتح هرمز؟
من يضبط البحر الأحمر؟
كيف تتم معالجة الملف النووي الإيراني؟
ومن يضمن ألا تتحول الهدنة المقبلة إلى مجرد استراحة قبل جولة جديدة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها حاملات الطائرات وحدها.
ربما تكون أهم نتيجة سياسية للحرب حتى الآن أنها دفعت دول المنطقة إلى اكتشاف حقيقة بسيطة:
الأمن الذي يأتي من الخارج يمكن أن يتغير عندما تتغير مصالح الخارج.
وهذا لا يعني أن التحالف مع الولايات المتحدة سينتهي.
ولا يعني أن دول الخليج ستتخلى عن علاقاتها العسكرية والسياسية بواشنطن.
بل يعني أن بعض دول المنطقة بدأت، بصورة أوضح، تبحث عن خيارات إضافية:
حوار مع إيران.
ترتيبات أمنية إقليمية.
تنويع الشراكات الدولية.
مسارات بديلة لتصدير الطاقة.
وإدارة الأزمات عبر الوساطة بدل الاعتماد فقط على القوة العسكرية.
وهذه ليست بالضرورة قطيعة مع أمريكا.
إنها، قبل كل شيء، محاولة لتقليل الاعتماد على طرف واحد.
شرق أوسط يصنع نفسه!!!
هنا ربما يصبح عنوان The Economist أكثر إثارة مما يبدو: «عندما تمشي أمريكا بعيدًا». لكن ماذا لو لم تمشِ أمريكا بعيدًا؟
ماذا لو بقيت، ولكنها لم تعد قادرة على أن تكون الطرف الوحيد الذي يحدد قواعد اللعبة؟
هذا السيناريو أكثر تعقيدًا من فكرة الانسحاب الكامل.
فالولايات المتحدة ستبقى قوة كبرى في الشرق الأوسط. لكن المنطقة نفسها تغيرت.
إيران تناور لإعادة بناء نفوذها. وإسرائيل تواجه بيئة أمنية شديدة التعقيد. ودول الخليج تعيد حساباتها. وقطر وعُمان تلعبان أدوارًا دبلوماسية. والسعودية تبحث عن ترتيبات أمنية جديدة. والإمارات تحاول حماية موقعها الاقتصادي والاستراتيجي وسط اضطراب إقليمي واسع.
وفي الخلفية تقف الصين وروسيا وقوى دولية أخرى تراقب وتتحرك. وهنا علينا أن ندرك أن الخطر الحقيقي ليس رحيل أمريكا، بل قد يكون شيئًا آخر، أن تتراجع القدرة الأمريكية على إدارة المنطقة قبل أن تتشكل منظومة إقليمية بديلة.
فإذا حدث ذلك، يمكن أن تظهر فترة انتقالية طويلة، تتعدد فيها مراكز القوة، وتزداد فيها الحسابات العسكرية، وتصبح الممرات البحرية والطاقة أدوات ضغط في الصراعات.
لكن الوجه الآخر للمرحلة الانتقالية قد يكون مختلفًا. فإذا تمكنت دول المنطقة من بناء تفاهمات أمنية واقتصادية، فقد تصبح أقل اعتمادًا على التدخل العسكري الخارجي.
وهنا يتحول السؤال من: «من يحمي الشرق الأوسط؟» إلى: «هل يستطيع الشرق الأوسط أن يحمي نفسه؟».
وهذا هو السؤال الذي سيحدد شكل المنطقة في السنوات المقبلة.
كلمة أخيرة
الحرب الأمريكية الإيرانية لم تنتهِ بعد.
والدبلوماسية لم تُغلق أبوابها بالكامل.
ومضيق هرمز ما زال ورقة ضغط كبرى.
والبحر الأحمر يدخل بصورة متزايدة في الحسابات.
ودول الخليج تتحرك بين الحاجة إلى الحماية الأمريكية والرغبة في بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقلالًا.
لذلك فإن الحديث عن «نهاية أمريكا في الشرق الأوسط» قد يكون سابقًا لأوانه.
الأدق أن نقول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة تتغير فيها وظيفة القوة الأمريكية.
قد تبقى واشنطن موجودة.
قد تبقى قواعدها.
قد تبقى تحالفاتها.
وقد تبقى قوتها العسكرية هي الأكبر.
لكن السؤال الذي لم يعد من السهل تجاهله هو: هل تستطيع أمريكا أن تظل القوة التي تمسك بكل مفاتيح الشرق الأوسط؟
ربما لا تكون القضية أن أمريكا ستغادر المنطقة غدًا. القضية أن مفاتيح المنطقة نفسها لم تعد كلها في يد أمريكا.













