التطبيقات الإلكترونية غزت حياتنا بصورة كاملة، وباتت كل مشترياتنا واحتياجاتنا الأساسية تُلبى من خلالها بصورة كاملة، بالطبع هذه التطبيقات تديرها شركات عملاقة حول العالم، والآن ماذا تعرف عن تلك الشركات التي تدير تطبيقات عن حياتنا؟
إنها تعرف ما نشتريه، وما نبحث عنه، والأماكن التي نذهب إليها، والموضوعات التي تستوقفنا، بل وأرقام حساباتنا، ومع تراكم هذه المعلومات، تصبح الصورة أكبر بكثير من مجرد سجل لاستخدام الهاتف، نحن نتحدث عن مورد قادر على صناعة الثروة، والتأثير في الأسواق، وتحديد اتجاهات الاستثمار.
الوطن العربي سوقاً استهلاكيا كبيراً، فهل يستفيد العرب بهذه المعلومات؟ ومن يملكها؟ والأهم من يملك القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية ومعرفية؟
المنطقة العربية تضم أسواقًا واسعة، وأعدادًا كبيرة من المستخدمين، واستثمارات متزايدة في الخدمات الرقمية، لكن حجم الاستخدام وحده لا يكفي للحكم على موقعنا في الاقتصاد الجديد، فهناك فرق بين أن تكون مستهلكًا لخدمة ناجحة، وأن تمتلك التكنولوجيا التي تقف وراءها، والخبرات التي تطورها، والشركات التي تحقق عائدها الأكبر.
كل عملية شراء في قطاع مثل التجارة الإلكترونية – على سبيل المثال – تترك معلومات عن تفضيلات المستهلك وحركة الطلب والأسعار والمنتجات الأكثر رواجًا، هذه المعلومات تساعد الشركات على تحسين أعمالها والتوسع في أسواق جديدة، وينطبق الأمر نفسه على قطاعات أخرى، من الخدمات المالية إلى النقل والإعلان والصحة.
الجهة الوحيدة التي تستطيع الاستفادة من هذه المعرفة في تطوير منتجاتها واتخاذ قراراتها بهذا الشأن، هي من تملك أدوات التحليل، أما من يكتفي باستخدام الخدمة، فقد يجد نفسه خارج الجزء الأهم من المعادلة، حتى لو كان أحد أسباب نجاحها.
لا يعني ذلك أن كل شركة أجنبية تجمع البيانات تمثل خطرًا، أو أن تخزين المعلومات خارج الحدود دليل على فقدان السيادة، مثل هذه الأحكام تحتاج إلى فحص طبيعة البيانات والعقود والقوانين المنظمة لها، المشكلة الحقيقية تظهر عندما يغيب التنظيم، أو تضعف الرقابة، أو تصبح المؤسسات معتمدة على خدمات لا تملك بدائل عملية لها.
المسؤولية عربية بامتياز، لا يكفي أن نتحدث عن حماية الخصوصية بعد وقوع التسريب، ولا أن نكتفي بإصدار القوانين دون متابعة تنفيذها، المطلوب بناء قدرة حقيقية على إدارة البيانات، وتطوير مراكز الحوسبة، ودعم الشركات المحلية، وإعداد متخصصين يستطيعون المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
مصر، بما تملكه من سوق كبيرة وقاعدة بشرية واسعة ومؤسسات تعمل في قطاعات حيوية، لديها مصلحة مباشرة في هذا المسار، لكن الفرصة لن تتحول إلى مكسب بمجرد زيادة استخدام التطبيقات أو التوسع في الخدمات الإلكترونية.
الأمر يحتاج إلى استثمارات منتجة، وقواعد واضحة، وبيئة تسمح للشركات المصرية بتطوير حلول قابلة للمنافسة خارج السوق المحلية أيضًا.
ونأمل أن يكون هناك تعاون عربي في هذا الشأن، فليس من المنطقي أن تتعامل كل دولة مع الاقتصاد الرقمي وكأنها جزيرة منفصلة، بينما تستطيع الأسواق المتكاملة وتبادل الخبرات وتنسيق معايير الحماية أن تمنح الشركات العربية فرصًا أوسع.
ويمكن لهذا التعاون أن يحقق توازنًا أفضل في التعامل مع الشركات العالمية، من دون اللجوء إلى الانغلاق أو تعطيل الاستثمار.
لا تُقاس السيادة الرقمية بمكان وجود الخوادم وحده، ولا بعدد التطبيقات التي يستخدمها المواطنون، المقياس الأهم هو ما نملكه من معرفة وقدرة على الابتكار، ومدى سيطرتنا القانونية والفعلية على بياناتنا، وحجم القيمة التي نستطيع إنتاجها منها.
العرب ليسوا مطالبين بأن يصنعوا كل تكنولوجيا العالم، لكنهم مطالبون بألا يظلوا مجرد سوق لها.
من حقنا أن نستفيد من التكنولوجيا العالمية، ومن حقنا أيضًا أن نبني شركاتنا وخبراتنا ونحمي بيانات مواطنينا، أما ترك هذه المهمة للمستقبل، فمعناه أن يستمر إنتاج البيانات اليوم، بينما نؤجل إلى الغد سؤالًا جوهريًا، أين تذهب قيمتها، ومن يستفيد منها؟.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا












