أصبحت السوشيال ميديا هي الشاهد الوحيد على حالة الكذب العامة التي انتشرت في المجتمع بصورة أشبه بالغزو تحت مسمى السعادة الوهمية.
الحقيقة التي قد لا ترضي الكثيرين، أن الصور التي تتعالى ضحكات أصحابها بطريقة سينمائية على أحد منصات التواصل الاجتماعي، لا تعني أنها صادقة وأنها تعكس السعادة الحقيقية لأصحابها.
والأمر ينطبق على أولئك الذين يعرضون نجاحاتهم التي ربما كانت مزعومة أو مزيفة لأهداف في نفس يعقوب قد لا ترتقي لأخلاق الفروسية.
نحن نعيش في زمن الغرائب، أي شخص مخنوق أو محمل بهموم ومشاكل الدنيا، ما عليه سوى فت كاميرا الموبايل وضبط الإضاءة ووضع الفلترات اللازمة، ومن ثم رسم ابتسامة عريضة على وجهه بعدما تجاوز أحزانه لثوان ويكتب تحتها «الحمد لله على كل النعم»، ليعود سريعا على واقعه البأس.
تلك الحالة من الازدواجية جعلتنا نعيش حياتنا مرتين، الأولى تلك التي نعيشها فعلا بهمومها ومتاعبها، والأخرى التي نمثلها على السوشيال ميديا على طريقة «المخرج عايز كدا».
أصبح الخروج خارج المنزل لا يحسب إلا بتسجيله إلكترونيا، وكذلك الأكل، والنجاحات، وكل أمور حياتنا باتت تحتاج توثيق ليعرف الجميع كيف تسير حياتك بالتفصيل!!
نتوقف قليلا لنوجه سؤالنا لـ «مهاويس» السوشيال ميديا، هل تعيش حياتك واخفاقاتك ونجاحاتك لتستمتع بها؟ أم من أجل أن يرى الناس تعاستك وفرحك؟ عموما في الحالتين أنتم محسودين، والأولى أن تستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان.
المشكلة مش في السوشيال ميديا نفسها، ولا في إنك تشارك لحظاتك الحلوة مع غيرك، المشكلة إننا بدأنا نقيس قيمة حياتنا بردود أفعال الناس عليها.
صورة من غير تفاعل؟ نحس إننا مش مهمين، شخص نعرفه اشترى عربية جديدة؟ نراجع حياتنا ونحس إننا متأخرين، حد سافر، اتجوز، نجح، أو بدأ مشروع؟ بدل ما نفرح له، ساعات بنسأل نفسنا: «هو وصل وأنا لسه مكاني؟»، وهنا الكارثة الحقيقية!
أصبحنا نقارن حياتنا الكاملة، بكل تعبها وفشلها ولحظات ضعفها، بأجمل عشر ثواني اختار شخص تاني إنه يعرضها من حياته، بصرف النظر عن صدقه وجديتها.
الناس ترى النتيجة فقط، لكن لم ترى الطريق، ترى الصورة، لكنها لم تعرف أصل وحقيقة الحكاية، ترى الضحكة، لكنها لا تعرف ما ورائها ولربما كان بؤس الدنيا.
الأخطر من ذلك أننا قد نحاول خلال سنوات من الكذب بناء حياة – شكلها حلو- للناس، وننسى أن نبني حياة نرتاح فيها وتليق بأحلامنا.
«نشتري علشان نُبهر، ونسافر علشان نثبت، وننجح علشان نرد على اللي استقلوا بينا، وننشر علشان نحس إن وجودنا له قيمة».
سؤال بسيط جدًا: «لو محدش هيشوف حياتك، ولا هيعرف أنت اشتريت إيه، ولا سافرت فين، ولا حققت إيه، هل هتختار تعيش بنفس الطريقة؟».
للمصداقية فليس كل من ينشر حياته بيمثل، ولا كل الصور كذب، فيه ناس سعيدة فعلًا – ربنا يديم عليهم الستر-، وناس بتحب تشارك ذكرياتها بصدق، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول رأي الناس من مصدر سعادة إلى مصدر تقييم يحدد من نحن.
نحن لسنا في اجة إلى مسح حساباتنا على السوشيال ميديا، ولا إلى مقاطعة التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه لا نكره النجاح والسعادة لغيرنا، لكننا يجب أن نتيقن أن الحياة ليست مسابقة صور، وأن قيمة الإنسان ليست بعدد متابعينه، وأن اللحظات الجميلة لا يشترط أن تتحول لمحتوى لتوثيقها.
يبقى، ماذا لو اختفت السوشيال ميديا، هل ستبقى السعادة، وستبقى حالة الرضا عن حياتنا؟ أم سنكتشف أن جزءاً كبيراً مما كنا نسميه سعادة كان مجرد محاولة لإقناع الآخرين إنك سعيد؟
هل نحن أصبحنا أسعد بفضل السوشيال ميديا، أم أصبحنا أشطر في إخفاء تعاستنا؟













