فيلم “Fatherland” يجسد العديد من المشاعر المؤلمة والمواضيع المتشابكة. الفيلم معروض ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة في المسابقة الرسمية ؛يروي قصة صعوبة وضرورة مواجهة الماضي لبناء غدٍ أفضل، وهو دراما آسرة وجميلة، من بطولة الممثلة المتميزة ساندرا هولر، التي حققت نجاحًا باهرًا هذا العام بأفلام مثل ” Project Hail Mary” و” Digger” و “Rose” ، ويتجاوز تأثيره الفترة الزمنية التي اختارها الفيلم والتي تدور أحداثها بعد الحرب العالمية الثانية.
يستكمل بافل بافليكوفسكي ثلاثيته للأفلام التاريخية بفيلمه الجديد “الوطن” Fatherland. الفيلم عرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي، حيث فاز بافليكوفسكي بجائزة أفضل مخرج، هو الجزء الأخير من ثلاثيةٍ تضم أيضًا فيلمي “إيدا” و”الحرب الباردة”. تدور أحداث الفيلم حول الأديب الحائز على جائزة نوبل، توماس مان (هانس زيشلر)، وابنته إريكا (ساندرا هولر)، أثناء رحلتهما عبر ألمانيا المقسمة عام ١٩٤٩. تم اختياره لتمثيل بولندا في جائزة أفضل فيلم روائي دولي في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ9.
سار توماس على خطى جوته
بعد نجاح هتلر في انتخابات الرايخ الألمانية سنة 1930 كان من السهل على توماس مان التعرف على الأخطار التي تهدد الديمقراطية الوليدة، حيث طلب تشكيل جبهة من البرجوازيين والاجتماعيين الديمقراطيين لمواجهة المتشددين اليمينيين. وقام الكاتب الألماني في نفس العام بالإشارة إلى “التحذير من الجور والانقلاب على الحياة البرلمانية عن طريق الكيان الدكتاتوري في كتابه ماريون والساحر. وبعد وصول الحزب النازي إلى الحكم سنة 1933 لم يبق أمامه غير الهجرة. بعد ذلك قام النازيون بسحب الجنسية عنه سنة 1936. وبعد أن قضى بضع سنوات في السويد اضطر مجدداً للهجرة إلى الولايات المتحدة والإقامة فيها مع عائلته. ومن هناك توجه إلى الشعب الألماني بعد اندلاع الحرب عبر الراديو بهدف إيضاح آثار الحرب المدمرة وجرائم الحكم النازي بحق شعبه.
سار توماس مان على خطى أبو الأدب الألماني جوته. وقد ساعده ذلك على النجاح الأكبر في الحياة الأدبية. وكان لهذا الاقتداء السبب المباشر لاعتبار توماس مان أحد أبرز الأشخاص الكلاسيكيين في عصر الأدب الألماني الحديث.
Fatherland يحمل في طياته صدى تاريخيًا عميقًا. وفي الوقت نفسه، يُدرك تمامًا ثقله التاريخي، نظرًا لارتباط الكلمة بلغة الرايخ الثالث. سعى بافليكوفسكي في الفيلم إلى استكشاف مفارقة رجل يحاول حماية وطنٍ دمر أخلاقيًا وسياسيًا وماديًا. انجذب أيضًا إلى العلاقة الديناميكية بين المؤلف وابنته إريكا، حيث قال: “وجدتُ تلك العلاقة حميمة وجذابة للغاية”.
في Fatherland السيناريو كان يتطور باستمرار. أسرهانز زيشلر المخرج بهيبته التي تعود إلى ما قبل الحرب، ما دفع بافليكوفسكي إلى منحه مساحةً للإبداع. وفى الحقيقة الفيلم استفاد من طاقم تمثيل استثنائي ومواقع تصوير خلابة في أنحاء بولندا.ويقف فيلم (Fatherland) شاهداً على أن التاريخ لا يُطوى في غياهب النسيان.
فيلم “الوطن” (Fatherland) هو فيلم سيرة ذاتية صدر عام 2026 من إخراج بافل بافليكوفسكي ، الذي شارك في كتابة السيناريو مع هندريك هاندلوجتن . يقوم ببطولة الفيلم ساندرا هولر بدور إريكا وهانز زيشلر بدور توماس مان ، اللذين ينطلقان في رحلة برية عبر ألمانيا عام 1949..
أفلام الرحلات (road movie)
عندما بدأالتفكير في تصوير” (Fatherland)، كانت الفكرة تقتضي تصوير الفيلم بأكمله في ألمانيا. فأحداث الفيلم في عام 1949، وهو ينتمي إلى فئة أفلام الرحلات (road movie)؛ حيث يتتبع الكاتب الألماني “توماس مان” وابنته “إريكا” في رحلة عبر المناظر الطبيعية الألمانية التي دمرتها الحرب، وذلك في سيارة من طراز “بويك”، منتقلين من فرانكفورت في الغرب إلى فايمار في الشرق.
لكن ألمانيا عام 1949 -التي سُوّيت بالأرض ثم أُعيد بناؤها- لم تعد موجودة. وكان الأمر سيتطلب قدراً هائلاً من العمل على المؤثرات البصرية في مرحلة ما بعد الإنتاج، مما سيرفع الميزانية التقديرية البالغة 11.7 مليون دولار (10 ملايين يورو). وهنا برزت بولندا كبديل جذاب، بما تملكه من مواقع غنية تعكس الحقبة التاريخية بدقة أكبر.
تعاون “بافليكوفسكي” مع الكاتب الألماني “هينك هاندلوجتن”. واستلهم فكرة الفيلم من حدث محدد -وهو عودة “توماس مان” إلى ألمانيا عام 1949- ليعيد صياغة الحدث في قصة ذات طابع شخصي للغاية وتغلب عليها الحبكة الخيالية.
عملية التصوير كانت معقدة للغاية
انضم الممثلان الألمانيان ساندرا هولر وهانس زيشلر لأداء أدوار البطولة، واستمر التصوير لما يقرب من 40 يوماً في أغسطس 2025، مع طاقم عمل غالبيته من البولنديين.عملية التصوير كانت معقدة للغاية. فالمخرج بافليكوفسكي -الذي بدأ مسيرته المهنية بصناعة الأفلام الوثائقية- مخرج دقيق للغاية ويسعى دائماً لتحقيق الأصالة والواقعية، سواء أمام الكاميرا أو خلفها. وهو يفضل عدم التصوير داخل الاستوديوهات ، واستطاع مع مدير التصوير الدائم معه لوكاش زال، ومصممي الإنتاج كاتارزينا سوبانسكا ومارسيل سلافينسكي؛ ايجاد الأماكن الأنسب للتصوير.
لقد كان رائعا تصوير مشهدين في منزل جوته الأصلية في فايمار، وهو الموقع الوحيدة الذي صور في ألمانيا؛ الطريف أن بعض المشاهد كانت تصور في مواقع منفصلة تماماً؛ إذ كانت اللقطة المقابلة (اللقطة العكسية) تُصوّر أحياناً في مكان يبعد 300 كيلومتر.العجيب أن تصوير الفيلم تم -في معظمه- وفق التسلسل الزمني للأحداث؛ حتي يندمج طاقم التمثيل في الأداء، وفي مسار الرحلة، وفي خضم التجربة.
باويل بافليكوفسكي من المخرجين الين يصلون إلى جوهر الموضوع بإيجاز ودقة ، ويبدو ذلك في فيلم “Fatherland”وفيلميه السابقين – فيلم إيدا الحائز على جائزة الأوسكار (2013) وفيلم الحرب الباردة المرشح لجائزة الأوسكار (2018) – روائع في الاقتصاد والتأثير العاطفي.
المشاعر المؤلمة
بدأ الفيلم مع كلاوس (أوجست ديل)، ابن توماس، الذي يجيب على مكالمة من أخته إريكا بينما يجلس على الأرض وبينما يهطل المطر بغزارة في الخارج، تطلب إريكا من كلاوس الانضمام إليها ووالدهما في رحلة إلى موطنهم ألمانيا. إلا أن كلاوس يشعر باليأس من عائلته كما يشعر باليأس من نفسه.
صور Fatherland بالأبيض والأسود فكان التناغم بين الظلام القاتم والضوء الساطع مذهلاً لدرجة أنه استحق بجدارة وصف “اللوحة الفنية”،تلك جماليات المخرج التي تعكس بوضوح ديناميكيات مادته المتوترة، مثل مشهد إريكا وهي تقود سيارتها برفقة والدها عبر فرانكفورت المدمرة عام 1949 لتسلم جائزة جوتهو.في ضوء الشمس الساطع، يوحي وجه إريكا العابس باشمئزاز مكبوت بعناية. لم يتحسن مزاجها عند وصولهم، حين علمت أن كلاوس لم يتصل وأن البريد الذي ينتظر توماس يتضمن تهديدات بالقتل – ومن هنا جاءت الحماية الأمنية التي وفرتها له وكالة المخابرات المركزية.
“Fatherland يقدم أول رحلة لتوماس إلى ألمانيا منذ هجرته إلى أمريكا عام 1933، وعندما سُئل في مؤتمر صحفي عن موطنه، اعترف بأنه على الرغم من أن موطنه يقع تقنيًا في كاليفورنيا، إلا أن تحديد “مكان انتمائه” يُعد “سؤالًا أكثر تعقيدًا”. كما أن طبيعة رحلته شائكة، إذ يخطط توماس لتلقي هذا التكريم في ألمانيا الغربية، ثم السفر إلى مدينة فايمار في ألمانيا الشرقية المحتلة لحضور احتفال مماثل.
نظرة عينيها تُشير إلى عدم رضاها
وفي “Fatherland حذرت بيتي نوكس (آنا مادلي)، كاتبة في وكالة أسوشيتد برس، إريكا من أن توماس سيجعلهما منبوذين في الولايات المتحدة إذا زار المنطقة التي يسيطر عليها السوفيت. ومع ذلك، تُصر إريكا على تلبية رغبات رب الأسرة، رغم أن نظرة عينيها تُشير إلى عدم رضاها التام عن ذلك.
جاء موت (كلاوس) منتحرا ليضيف الشجن إلى رحلة توماس وإريكا، أو بالأحرى، تُوازي التوترات التي كانت تُثقل كاهلها بالفعل، تعنف إريكا توماس في النهاية لتعاليه على ابنه، مما أدى إلى قتله.
“Fatherland قصة تتشابك فيها الأمور الشخصية والسياسية، والفردية والوطنية، بشكل جوهري، حيث ينغمس توماس ووطنه في مظاهر البذخ والاحتفالات التي تعزز غرورهم لدرجة أنهم لا يستطيعون إدراك أنها السبب الجذري لمصائبهم.
قدم “Fatherland بوتيرة سريعة، وتنبثق أفكاره الكبرى من أحداث مترابطة، سواء في مشاهد متعددة لتوماس مان وهو يُغنى من قبل جوقات وطنية، أو في مشهد إريكا وهي تبحث عن كلاوس (الذي تعتقد أنها رأته في حشد من الناس)، واقفة وحيدة وصغيرة بين مقاعد الكنيسة الفارغة. لم يترك المخرج بافليكوفسكي أي لحظة أو إيماءة ليضيف إحساس مؤثر بالزمان والمكان على الأحداث، ويتحدث مباشرة إلى حالة قلوب وعقول الشخصيات الرئيسية.
يتميز “Fatherland بروح دعابة خفيفة. أحيانًا تكون غير مقصودة تمامًا”. ولا تزال الموسيقى عنصرًا أساسيًا في الفيلم، حيث يختتم بموسيقى باخ، وهو اختيار يضفي مزيدًا من العمق الدرامي على النهاية.














