في الشرق الأوسط، هناك من يشعل النار، ومن يدير حسابات الحرب، ومن ينتظر نتائجها، ثم تأتي الفاتورة إلى العرب، حتى عندما لا تكون الحرب حربهم!
هذه ليست مبالغة سياسية، بل مفارقة تتكرر كلما دخلت المنطقة في مواجهة جديدة.
تتصارع القوى الكبرى على النفوذ، وتتصادم المشاريع الإقليمية، وتُعقد الصفقات خلف الأبواب المغلقة، بينما تجد الدول العربية نفسها أمام تهديدات لأمنها، وضغوط على اقتصاداتها، ومخاطر تطال استقرارها ومستقبل شعوبها.
المشكلة ليست في أن المنطقة أصبحت ساحة للصراعات فحسب، بل في أن العرب يمتلكون من مقومات القوة ما يؤهلهم لتغيير هذه المعادلة، ومع ذلك لا يزال تحويل هذه المقومات إلى موقف استراتيجي موحد أحد أصعب التحديات التي تواجههم.
هل يُعقل أن تظل منطقة بهذه الأهمية الجغرافية، وبهذه الثروات، وبهذا التأثير في الاقتصاد العالمي، عاجزة عن فرض حساباتها على من يتنافسون فوق أرضها وبالقرب من حدودها؟
خذ ما يجري في المنطقة اليوم مثالًا. فالتصعيد العسكري لا يتوقف أثره عند حدود الدول المتحاربة، وإنما يمتد إلى أسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، وحركة التجارة، وتكاليف المعيشة.
وقد حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن تداعيات التصعيد العسكري يمكن أن تنتقل عبر التجارة والطاقة والتدفقات المالية، لتصيب اقتصادات عربية بعيدة جغرافيًا عن ساحات القتال.
الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها، أن الحرب لم تعد تحتاج إلى أن تصل إلى أبواب الدولة حتى تدفع ثمنها.
يكفي أن تتعطل الملاحة، أو ترتفع تكاليف التأمين والشحن، أو تضطرب إمدادات الطاقة، حتى تجد الحكومات نفسها أمام أعباء جديدة، ويدفع المواطن في النهاية جزءًا من الفاتورة.
الأخطر من الخسائر الاقتصادية هو ما تفرضه هذه الصراعات من اختبارات أمنية وسياسية على الدول العربية.
كلما اتسعت المواجهات، ازدادت الضغوط على العواصم العربية لاتخاذ مواقف صعبة، ووجدت نفسها أمام معادلات لا تحتمل الحسابات التقليدية.
المعضلة الحقيقية أن العرب ليسوا خارج معادلة الصراع، لكنهم لا يملكون دائمًا القدرة على التأثير في قواعده.
ما يجب أن يشغل الحكومات العربية قبل أن تشغلها نتائج كل مواجهة جديدة، كيف نمنع الآخرين من تحويل أزمات المنطقة إلى أداة للضغط على دولنا، وكيف نحمي مصالحنا من تقلبات التحالفات الدولية؟
الدول الكبرى لا تبني سياساتها الخارجية على العواطف، ولا تقدم مصالح الآخرين على مصالحها إلا إذا وجدت في ذلك مكسبًا واضحًا.
والتحالفات، مهما بلغت قوتها، تظل محكومة بحسابات المصالح، وقد تتغير أولوياتها عندما تتبدل الظروف.
من الخطأ أن نتصور أن العلاقات الاستراتيجية وحدها كافية لضمان الأمن العربي، ما لم تستند إلى قوة ذاتية، واقتصاد قادر على الصمود، وتنسيق سياسي يسبق الأزمات بدلًا من أن يتحرك تحت ضغطها.
لا يعني ذلك أن ينعزل العرب عن العالم، أو أن يدخلوا في مواجهة مع القوى الكبرى، بل أن يتعاملوا معها من موقع الشريك الذي يمتلك أوراقه، لا من موقع الطرف الذي ينتظر ما ستسفر عنه تفاهمات الآخرين.
هنا تأتي مسؤولية مصر ودول الخليج وسائر العواصم العربية الكبرى، فالمصالح المشتركة بين هذه الدول أكبر من أن تظل رهينة اختلاف التقديرات أو تباين الأولويات.
أمن الخليج يرتبط بأمن مصر، واستقرار البحر الأحمر يرتبط بمصالح المنطقة كلها، وأي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية ينعكس على التجارة العربية والدولية معًا.
ليس المطلوب أن تتطابق سياسات جميع الدول العربية في كل الملفات، فهذا أمر يصعب تحقيقه، وإنما المطلوب أن تتفق على خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها، وعلى مصالح استراتيجية لا تقبل المساومة، وعلى آليات واضحة للتشاور والتنسيق في أوقات الخطر.
آن الأوان للانتقال من بيانات التضامن التي تصدر بعد اشتعال الأزمات إلى عمل عربي مشترك يقلل فرص اندلاعها، ويحد من آثارها إذا وقعت.
نحتاج إلى تكامل اقتصادي يحمي الأسواق، وتنسيق أمني يحفظ سيادة الدول، وموقف سياسي قادر على مخاطبة العالم بلغة المصالح المتبادلة.
ما قيمة الثروات إذا لم تتحول إلى قوة تحمي أصحابها؟ وما جدوى الموقع الاستراتيجي إذا ظل الآخرون هم من يحددون كيفية استغلاله؟ وما معنى الحديث عن الأمن القومي العربي إذا كانت كل دولة تواجه التهديدات منفردة، ثم تبحث عن الدعم بعدما تتفاقم الأزمة؟
إن أخطر ما يمكن أن تخرج به المنطقة من حروبها المتلاحقة هو أن تعتاد دفع الثمن، وأن تتعامل مع الخسائر باعتبارها قدرًا لا يمكن تغييره.
العرب لا يحتاجون إلى حرب جديدة لإثبات قوتهم، بل يحتاجون إلى قوة تمنع الحرب من أن تُفرض عليهم، وإلى قرار مشترك يجعل مصالحهم جزءًا من حسابات الآخرين قبل أن تبدأ المواجهة.
الحقيقة أنه في عالم لا يحترم إلا موازين القوة، لن تكفي النوايا الطيبة لحماية الأوطان، ولن تعوض الخطب السياسية غياب العمل المشترك.
السؤال الذي يجب أن يواجهه القادة العرب اليوم ليس من سينتصر في الحرب المقبلة، بل، هل نملك من الوحدة والقوة ما يجعلنا شركاء في تقرير مصير المنطقة، أم سنظل ندفع ثمن حروب يقرر الآخرون متى تبدأ، ومتى تنتهي، ومن يخرج منها رابحًا؟












