يشكو كثير من الناس مرارة الظلم، ويشتد وجعهم حين يأتيهم ممن ظنّوا أنهم الأقرب والأكثر أماناً. فليس سهلاً أن تتلقى الأذى من يدٍ كنت تنتظر منها العون، أو أن تُخذل في شخصٍ منحته ثقتك ومحبتك. ومن المؤلم أن نسمع عن أناس بلغ بهم القهر حدّ التفكير في إنهاء حياتهم، بعدما ضاقت أمام أعينهم سبل النجاة، وغاب عنهم أن للوجع نهاية، وأن الحياة تستحق فرصة أخرى.
لا شك أن الظلم من أقسى ما قد يواجهه الإنسان. ولست أتحدث هنا من برج عاجي؛ فلا أحد منا بمنأى عن الأذى، ولا طيبة القلب تضمن لصاحبها السلامة من كيد الآخرين. قد تكون مسالماً، حريصاً على ألّا تجرح أحداً، ومع ذلك تطالك سهام الغيرة والحسد وسوء الظن. لكن ظلم الآخرين لك لا يعني أنك تستحقه، ولا ينتقص من قيمتك شيئاً.
ومن أهم ما يحمي قلبك أن تتعلم التجاهل الواعي؛ فلا تمنح كل مستفز جواباً، ولا تجعل كل إساءة معركة تستنزف روحك. تجاهل ما لا يستحق الالتفات، وابتعد عمّن يتعمد إيذاءك، وحاول ألّا تستسلم للأسئلة التي تحاصرك: لماذا أُظلم وأنا طيب؟ ولماذا أكون دائماً ضحية للآخرين؟
ليس ضرورياً أن تجد تفسيراً لكل أذى، ولا أن تقضي عمرك في محاولة فهم قسوة بعض الناس. وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾.
والتجاهل هنا لا يعني التفريط في حقك أو السكوت عن أذى يهدد سلامتك؛ فمن حقك أن تدافع عن نفسك، وتضع حدوداً واضحة، وتطلب المساندة ممن تثق بهم، وتلجأ إلى الجهات المختصة حين يلزم الأمر. إنما المقصود ألّا تسمح للظلم بأن يستولي على حياتك، أو يحوّلك إلى أسير للغضب والمرارة.
ولا تحمل نفسك ذنب إساءة غيرك. تأمل كيف افترى بعض البشر على الله سبحانه وتعالى، خالق السماوات والأرض، والمنزّه عن كل نقص؛ فنسبوا إليه ما لا يليق بجلاله، وزعموا أن له ولداً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فإذا كانت ألسنة الجاحدين قد تجرأت على الافتراء على خالقها، فهل ينتظر الإنسان أن يسلم من كل قول باطل؟
ولطالما تساءلت: كيف يغتر هذا المخلوق الضعيف بنفسه، وينسى أنه فانٍ، وأن حياته قد تنتهي في لحظة؟ كيف يتكبر ويظلم، وهو لا يملك لنفسه بقاءً ولا يضمن غداً؟ وقد ذكّرنا القرآن بهذه الحقيقة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وحين نتأمل سيرة نبينا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، نجد أن عظيم خُلُقه لم يمنع أذى الناس عنه. فقد قال الله تعالى في وصفه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ومع ذلك اتهمه المكذبون بالجنون والسحر والكهانة. وكذلك تعرض غيره من الأنبياء للظلم والتكذيب؛ فتآمر إخوة يوسف عليه، ثم رفع الله شأنه، وتعرض عيسى عليه السلام للأذى، فنجّاه الله ورفعه إليه.
يا أختي ويا أخي، إن الظلم، مهما اشتدّ وجعه، ليس نهاية الحياة، وقد يكون الصبر عليه بابًا لرفعة درجاتكم وإعلاء شأنكم عند الله. وربما يظن بعضكم أنني أكتب هذه الكلمات لأنني لم أذق مرارة الظلم، لكن الحقيقة غير ذلك؛ فقد مررت بفترات من حياتي تعرّضت فيها لظلم ترك في قلبي ألمًا طويلًا. ومع ذلك، اخترت ألّا أستنزف نفسي في كل مواجهة، وأن أفوّض أمري إلى الله، يقينًا بأن ربّ العباد لا يغفل عمّا يصيب عباده. فإذا كانت ورقة الشجر لا تسقط إلا بعلمه، فكيف يخفى عليه وجع قلوبكم؟
رسالتي إليكم نابعة من يقين: اتركوا أمر الخلق للخالق، ولا تجعلوا ظلمهم يستولي على أعماركم أو يسلبكم طمأنينتكم. خذوا بالأسباب، وطالبوا بحقوقكم بالطرق المشروعة، واحموا أنفسكم من الأذى؛ فالتوكّل على الله لا يعني الاستسلام للظلم، وإنما يعني السعي مع الثقة بأن الله يعلم ما مررتم به، ولا يضيع عنده حق.
وتذكّروا أن هذه الدنيا، مهما طالت، عابرة، وأن ما يؤلمكم اليوم ليس كل الحكاية. ما زالت أمامكم فرص للراحة والتعافي، وأيام قد تحمل لكم من الخير ما لا تتوقعونه. فلا تمنحوا من ظلمكم سلطة على بقية حياتكم، ولا تجعلوا قسوة أحد تطفئ رجاءكم بالله.
وإياكم أن تستهينوا بحياتكم أو تفكّروا في إنهائها بسبب ظلم بشر مثلكم؛ فقيمتكم لا يحدّدها إنصافهم ولا إجحافهم. وإن أثقل الألم قلوبكم، فلا تحملوه وحدكم؛ تحدّثوا إلى شخص تثقون به، واطلبوا الدعم والمساعدة المتخصصة عند الحاجة. حياتكم تستحق الحماية، ووجعكم يستحق أن يُسمع، والظلم الذي أصابكم ليس نهاية حكايتكم.












