حروب الشرق الأوسط لم تعد تُقاس بعدد الصواريخ التي تنطلق، ولا بحجم الدمار الذي تتركه خلفها، بل أصبح هناك سلاح آخر أكثر خطورة، لا يحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة كي يربك العالم، إنه الجغرافيا.
ثلاثة شرايين مائية تختصر جانبًا كبيرًا من معادلة القوة في منطقتنا، مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومن يملك القدرة على تهديدها أو تعطيلها يستطيع أن يضغط على اقتصادات دول، ويربك أسواق الطاقة، ويضع التجارة الدولية أمام اختبارات قاسية.
ما يحدث في مضيق هرمز يقدم الدليل الأوضح على تلك المعادلة، فاستمرار الحوادث التي تستهدف السفن، رغم الحديث عن جهود للتفاوض بين واشنطن وطهران، يكشف أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف حول البرنامج النووي الإيراني أو العقوبات الأمريكية.
إنها مواجهة على النفوذ وحرية الملاحة وحدود القوة في الخليج. وكل يوم يتأخر فيه الحل تتحمل المنطقة والعالم فاتورة جديدة.
السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعا كعرب، ليس فقط ماذا ستفعل واشنطن؟ أو إلى أين ستذهب طهران؟ بل، أين موقعنا نحن من معركة تتعلق بأهم مفاتيح جغرافيتنا؟
السعودية تدرك أن أمن الخليج لا ينفصل عن أمن البحر الأحمر، ومصر تعرف أن اضطراب الملاحة في هذه المنطقة لا يتوقف عند حدود الخليج، بل يمتد مباشرة إلى قناة السويس والاقتصاد الوطني وحركة التجارة العالمية.
أما باب المندب، فليس مجرد ممر بحري بعيد عن القاهرة والرياض؛ إنه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأحد مفاتيح أمن المنطقة بأكملها.
ولذلك فإن أي تصور للأمن العربي يتجاهل هذه الدائرة المترابطة يظل تصورًا ناقصًا، مهما تعددت الاتفاقيات والتحالفات.
التحركات الدبلوماسية لم تتوقف في المشهد الراهن، الاتصالات المصرية السعودية، والجهود المصرية العمانية، والوساطة القطرية، كلها تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة العودة إلى المواجهة العسكرية.
لكن الدبلوماسية وحدها لا تكفي إذا لم تستند إلى رؤية أمنية مشتركة تحمي المصالح العربية وتمنع تحويل الممرات البحرية إلى أوراق ابتزاز في صراعات الآخرين.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية الدور المصري، مصر ليست دولة مجاورة للأزمة فحسب، بل دولة ترتبط مصالحها الاستراتيجية بأمن الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي وشرق المتوسط.
وأي اضطراب في هذه الدوائر ينعكس على أمنها واقتصادها ومكانتها الإقليمية.
ومن ثم فإن التحرك المصري لا ينبغي أن يقتصر على احتواء الأزمات بعد اشتعالها، بل يمتد إلى بناء تفاهمات عربية تضمن حرية الملاحة، وتحمي المنشآت الحيوية، وتمنع اتساع الصراعات.
لسنا بحاجة إلى تحالفات تُرفع أسماؤها في المؤتمرات ثم تختفي عند أول اختبار، بل إلى منظومة مصالح وأمن مشترك، تتكامل فيها القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتحترم سيادة الدول وتمنع الاعتداء على أراضيها.
والأهم أن ندرك أن القوى الكبرى لا تتحرك في منطقتنا بدافع حماية مصالح الآخرين، بل وفق حساباتها الخاصة، وهذا حقها في السياسة الدولية، لكنه يفرض على العرب ألا يتركوا أمنهم الاستراتيجي رهينة لقرارات تأتي من خارج حدودهم.
الجغرافيا منحت العرب مفاتيح قوة لا تملكها مناطق كثيرة في العالم، لكن امتلاك المفاتيح شيء، والقدرة على استخدامها لحماية المصالح شيء آخر.
هل نتحرك قبل أن تصبح ممراتنا البحرية أوراقًا في يد الآخرين، أم ننتظر حتى يدفع الجميع ثمن معركة لم يقرروا خوضها؟












