كلنا يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية هي «أم إسرائيل» التي تُدافع عنها في الحق وفي الباطل، والمبرر الأمريكي لهذا الدفاع، دائماً، أمام العالم هو أن إسرائيل المسكينة، تعاني من خطر وتهديدات جيرانها العرب الأشرار.
كانت الولايات المتحدة تقول هذا التبرير رغم أن إسرائيل كانت تعتدي على الجيران العرب وتغتصب أراضيهم وتهدد استقرارهم.
كان هذا عادياً جداً حتى يوم 7 أكتوبر الماضي الذي شهد تحول مُصطلح تعريف أمريكا من «أم إسرائيل» إلى «ابنة إسرائيل» بسبب تنفيذ الولايات المتحدة لتعليمات إسرائيل وكأنها طفل صغير يلتزم بتعليمات أمه.. فلم تعد أمريكا أماً لإسرائيل ولكنها تحولت إلى طفل وديع ينفذ تعليمات تل أبيب!!
الموقف الأمريكي كان مُخزياً من البداية.. فقد ترددت السياسة الأمريكية كعادتها قبل التحرك لاتخاذ موقف يمنع آلة القتل الإسرائيلية من ذبح النساء والأطفال قبل الرجال في غزة، ولم تُفرق أمريكا بين مقاتلي حماس وبين الشعب الفلسطيني، فلم نسمع منها إدانة واحدة لانتهاكات إسرائيل لكل قوانين الحرب وحقوق الإنسان، فقد كان العقاب الإسرائيلي جماعياً، وكان القتل يطول الأبرياء قبل المُسلحين، والتدمير ينال من البيوت قبل الأنفاق، والحرائق تلتهم المستشفيات قبل المخابيء.
حدث كل هذا وازداد بعد زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لتل أبيب، فقد اعتبرت القيادة الإسرائيلية (السياسية والعسكرية) هذه الزيارة ضوء أخضر لقتل الشعب الفلسطيني وارتكاب جرائم حرب بلا مُحاسبة!!
واستمرت الولايات المتحدة في أداء دورها بمجلس الأمن لتمنع أي قرار يوقف القتل الجماعي للفلسطينيين رغم أن الدول من مجموعات رفض التصرفات الإسرائيلية سواء كانت ذات عضوية دائمة أو مُتغيرة في المجلس الأممي لم تسع إلى إدانة إسرائيل أو اتهامها بارتكاب جرائم حرب، ولكنها فقط طلبت حماية المَدنيين الفلسطينيين، إلا أن الولايات المتحدة لم تهتم إلا بزيادة التسليح لإسرائيل لمزيد من قتل الفلسطينيين!!
لقد خسرت الولايات المتحدة -تماماً- أي تقدير عربي لمواقفها في المستقبل.. لقد خسرت علاقاتها الجيدة بكثير من الدول العربية.. فقد اهتزت العلاقة.. بعد اهتزاز المصداقية في السياسة الأمريكية لعدم إجبارها إسرائيل على وقف القتل الممنهج بأسلحة فتاكة تُدمر بلا تمييز وتقتل بلا رحمة!!
خسرت الولايات المتحدة سيطرة كاملة على المنطقة وسوف تتحرك روسيا والصين بشكل أكثر حرية في المنطقة على أنقاض بيوت غزة التي هُدمت فوق رؤوس أصحابها!!
الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج أصبحت في حالة غليان ولم تعد تستطيع حكومات هذه البلدان مع ارتفاع حِدة الغضب الشعبي أن تعمل في اتجاه منفرد نحو الولايات المتحدة ولا تعاون معها أكثر من النقطة الحالية.. وفي نفس الوقت لا تستطيع أمريكا توجيه اللوم لهذه الدول -في ظل هذا الغضب الشعبي العربي – لتعاملها بشكل أكبر مع قوي عسكرية واقتصادية كبرى تنافس الأمريكيين على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
الولايات المتحدة سوف تواجه، من الآن فصاعداً، تصدياً داخلياً كبيراً من أصحاب الرأي الذين يريدون للولايات المتحدة ممارسة العدالة أو الانتباه لمصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط أو أنصار حقوق الإنسان الذين يرفضون التناقض الأمريكي بخصوص هذا المجال.
بل إن المواجهات بين المتحمسين لإسرائيل أو ضدها سوف تزداد داخل الساحة السياسية الأمريكية بما سوف يؤثر على الانتخابات الرئاسية القادمة بالإضافة إلى انتخابات الكونجرس.
صحيفة الجارديان البريطانية قالت منذ أيام أن جماعات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة قد حذرت من «موجة من ردود الفعل المكارثية العنيفة» ضد انتقادات القصف الإسرائيلي لغزة بعد إقالة الأمريكيين الذين عبروا عن دعمهم للفلسطينيين، وواجهوا تهديدات بالعنف وملاحقتهم من قبل الجماعات المؤيدة لإسرائيل!! هذا التصرف الذي يأتي عكس مبادئ حقوق الإنسان -قطعاً- سوف يواجه انتقادات وردود أفعال المظلومين الذين سيعملون ضد هذه السياسة المُنحازة انحيازاً أعمى لصالح إسرائيل.
المُلفت أن مجلس الشيوخ الأمريكي قد أصدر بالإجماع قراراً يدين ما وصفتهم «المجموعات الطلابية المناهضة لإسرائيل والمؤيدة لحماس» بعد المظاهرات التي جرت في الحرم الجامعي، والتي تضمن بعضها لغة معادية للسامية وهتافات تشيد بهجوم حماس (قطعاً المظاهرات كانت تُدين إسرائيل ولم تكن تؤيد حماس) لأن كثيرين آخرين في الولايات المتحدة (تضامنوا مع المدنيين الفلسطينيين تحت القصف الإسرائيلي في غزة) حسب تعبير صحيفة الجارديان.
المهم أن لجنة الدفاع عن الديمقراطية أدانت قرار مجلس الشيوخ ووصفته بأنه «محاولة سافرة لإسكات وشيطنة وتجريم الانتقادات المشروعة والمعارضة المحيطة بالاحتلال الإسرائيلي والحرب على غزة».
الأصوات داخل الولايات المتحدة تتعالي لرفض المذابح الإسرائيلية.. ولكن بعد فوات الأوان.. لقد قُتل الأبرياء.. وتوحشت إسرائيل.. ولكن في النهاية لن تبقى خريطة السياسة في الشرق الأوسط كما هي ولن تتغير بسهولة لصالح إسرائيل.. فسوف يحذر الجميع من تكرار ما حدث يوم 7 أكتوبر.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
اشترك في حسابنا على فيسبوك و تويتر لمتابعة أهم الأ خبار المحلية












