بينما تتصاعد ألسنة اللهب في قطاع غزة، ويُخيّم شبح التصعيد في الضفة الغربية، يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، الإثنين، في زيارة تُعدّ الأهم منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
لقاء نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يبدو لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة مفصلية في لحظة تتقاطع فيها ملفات الحرب والتهدئة والضم والتحالفات الإقليمية الجديدة.
يتزامن اللقاء مع تسريبات متزايدة حول قرب الإعلان عن هدنة مؤقتة في غزة تمتد لـ60 يومًا، تتضمن إطلاق سراح عدد من الأسرى الإسرائيليين، وتسهيلات إنسانية مشروطة.
الرئيس ترامب، يحاول الظهور في ثوب «صانع السلام»، مستثمرًا الفرصة لتقديم إنجاز خارجي يعزز رصيده الشعبي.
لكن في المقابل، تصرّ فصائل المقاومة على أن أي اتفاق حقيقي يجب أن يشمل إنهاء الحرب ورفع الحصار كليًا، وهو ما لا يبدو أن إسرائيل مستعدة لمنحه حتى الآن.
على جبهة الضفة، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية متصاعدة، بعد أن وجّه أكثر من 15 وزيرًا من حزب الليكود رسالة تطالبه بتنفيذ خطة ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية قبل انتهاء الدورة البرلمانية الحالية.
ويرى هؤلاء أن اللحظة السياسية الراهنة، في ظل دعم أميركي غير مسبوق، تمثل فرصة ذهبية لفرض وقائع ميدانية «لا رجعة عنها»، خصوصًا في ظل انشغال العالم بملفات أخرى.
ورغم الحذر الأميركي الرسمي من إعلان ضم أحادي الجانب، تشير مصادر مطلعة إلى أن الملف سيكون مطروحًا خلال لقاء واشنطن، ولو بصيغة غير مباشرة.
اللقاء يأتي أيضًا في ظل تصعيد متجدد بين إسرائيل وإيران، سواء في الجبهة السورية أو عبر الهجمات السيبرانية المتبادلة، ما يُضفي على الزيارة بُعدًا أمنيًا واستراتيجيًا إضافيًا.
التحركات الإسرائيلية تُوظَّف في سياق أوسع يسعى لتشكيل تحالف إقليمي جديد، تحت شعار «ردع التهديد الإيراني»، وقد يكون هذا الملف الحساس مدخلاً لتبرير خطوات توسعية أخرى، بما في ذلك ضم الضفة أو تعزيز التعاون مع عواصم عربية.
ثمّة من يرى أن هذا اللقاء قد لا يكون مجرّد مناسبة لبحث وقف الحرب أو تمرير صفقة، بل ربما يُمثّل الخطوة الأولى في تنفيذ تصور شامل للشرق الأوسط الجديد – تصور يُبنى على معادلات القوة والتحالف، لا على العدالة أو الحقوق.
الواقع يقول إن:
- دولًا عربية باتت منخرطة في تنسيق أمني علني أو ضمني مع إسرائيل.
- مشاريع اقتصادية واستراتيجية تُبنى دون انتظار حل نهائي للقضية الفلسطينية.
- المجتمع الدولي يبدو عاجزًا – أو غير راغب – في فرض مرجعيات حقيقية للتسوية.
من هنا، قد لا يصدر بيان تاريخي من واشنطن، لكن انعقاد اللقاء في هذا التوقيت قد يعني دخول المنطقة فعليًا في مرحلة التنفيذ التدريجي لخارطة طريق الشرق الأوسط الجديد.
خارطة تُرسم فوق أشلاء غزة، وعلى حساب الضفة، وبتوقيع من لا يمتلكون الأرض… باسم أصحابها.
في خضم كل هذه التحركات، يبقى الفلسطينيون – كما في محطات تاريخية سابقة – الغائبين عن الطاولة والحاضرين في ساحة النار.
فهل ستشكل زيارة نتنياهو إلى واشنطن لحظة تحوّل نحو تسوية منقوصة جديدة؟ أم أنها مجرد محطة في طريق طويل من إعادة تشكيل الإقليم.. بعيدًا عن العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها؟
المؤكد أن السلام لن يولد من فوهة بندقية، ولا من صفقة بين طرفين دون الطرف الثالث، وأن أي خريطة لا تشمل الحقوق الفلسطينية الحقيقية.. ستبقى مرشحة للانفجار في وجه واضعيها
samyalez@gmail.com













