لم يعد سقوط شركات الطيران مفاجئًا. فها هي ساوث ويست إيرلاينز، التي طالما تباهت بأنها «شركة الشعب»، تسقط سقوطًا مدويًا، وتكشف عن وجهها الحقيقي: ناقل جوي بلا قلب ولا إنسانية، مثلها مثل الدولة التي تنتمي إليها تماما، لا ترى الركاب إلا كـ«أحجام» و«أوزان» ينبغي ترتيبها على مقاعد معدنية ضيقة.
اعتبارًا من يناير 2026، ستُلزم الشركة الركاب ذوي الأجساد الكبيرة بشراء مقعد إضافي مسبقًا، وإلا فالمصير إما الدفع الفوري بأسعار المطار أو الحرمان من الصعود، وربما الترحيل إلى رحلة لاحقة، أي حضارة هذه؟ أهذا سفر أم سوق مواشي يُوزن فيه الناس قبل الصعود؟!
الشركة حاولت أن تغطي القرار بورق السلوفان البارد: «ضمان راحة الجميع وتوفير المساحة»، لكن الغطاء أهون من أن يخفي الحقيقة: إنها عنصرية مقنّعة وتمييز فجّ ضد فئة من الناس لم تختَر تكوين أجسادها، ولا تستحق أن تُعاقَب لمجرد اختلافها عن «المقاس المعياري» الذي رسمته الشركة.
وكان الرد فوريا من جيسون فوغن، وكيل السفر وصاحب منصة «Fat Travel Tested»، الذي وصف التغيير بأنه «سيجعل تجربة الطيران أسوأ للجميع»، فهو يدرك أن سياسة كهذه لا تحط فقط من كرامة أصحاب الأوزان الكبيرة، بل تُكرّس مناخًا عامًا من التوتر والتمييز داخل الطائرة.
اما تايغرس أوزبورن، المديرة التنفيذية للجمعية الوطنية للنهوض بقبول الأجسام الممتلئة (NAAFA)، قالتها بوضوح: «ساوث ويست كانت الأمل الأخير لكثير من أصحاب الوزن الزائد كي يسافروا جوًا، والآن انطفأ ذلك الأمل».
أي أن الشركة أغلقت الباب في وجه آلاف من الناس الذين كانوا يجدون في سياساتها السابقة ملاذًا إنسانيًا.
الأمر لم يقتصر على المنظمات الحقوقية؛ بل حتى عملاء قدامى للشركة عبروا عن استيائهم العميق: «ساوث ويست لم تعد تعرف عملاءها… لقد فقدت هويتها».
وهنا تكمن الكارثة: أن الشركة تفرّط برصيدها التاريخي من الثقة والولاء، مقابل حفنة من الدولارات الإضافية.
لكن فلنسأل بصراحة: إذا كان معيار الحساب هو الوزن، فلماذا لا يحصل أصحاب الأوزان الخفيفة على خصومات؟! ولماذا لا تُرد الفروق لمن يحمل حقيبة خفيفة؟ أليس هذا هو «المنطق» الذي تدّعيه ساوث ويست؟! لكنهم بالطبع لن يفعلوا، لأن القضية ليست عدلًا ولا منطقًا، بل استغلال فجّ يرتدي قناع «التنظيم».
هذه السابقة خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام جنون أكبر: فهل سنرى غدًا أسعارًا حسب الطول، أو وفق قياس الخصر، أو حتى وفق ضغط الدم؟! متى تحولت الطائرات إلى «موازين قبان» نُوزن عليها قبل الإقلاع؟
لقد سقطت ساوث ويست سقوطًا أخلاقيًا مدوّيًا، وخانت رسالتها كشركة كانت تتباهى بأنها «للشعب»، وما يحدث اليوم ليس مجرد سياسة تشغيلية، بل انتهاك صريح للحق الإنساني في التنقل دون إذلال أو تمييز.
إنها معركة لا تخص أصحاب الأوزان الكبيرة وحدهم، بل تخصنا جميعًا. لأن القبول بهذا المنطق يعني أن أي اختلاف عن «المعيار» قد يُصبح غدًا سببًا لإقصائك أو معاقبتك.
فمن حق البشر أن يسافروا كبشر، لا كطرود تُوزن وتُسعّر،. وإذا كان حلم الطيران قد بدأ كرمز للتحرر من قيود الأرض، فإن ساوث ويست تحوّله اليوم إلى كابوس جديد، يزن الكرامة الإنسانية قبل أن يحسب الأمتعة.













