لا يختلف اثنان على أن العدادات مسبقة الدفع جاءت كخطوة تنظيمية تستهدف ضبط استهلاك الكهرباء ومنع تراكم المديونيات، لكنها سرعان ما تحولت إلى موضوع جدل واسع.
شكاوى المواطنين لم تقتصر على ارتفاع أسعار الشرائح، بل طالت طريقة المحاسبة ذاتها، خصوصًا عند الانتقال من شريحة استهلاك إلى أخرى.
يروي مواطنون أنهم عند شحن العدادات فوجئوا بخصومات قد تصل إلى 270 جنيهًا دفعة واحدة، والسبب أن المستهلك عندما يتجاوز الحد المقرر للشريحة الأولى أو الثانية، لا يُحاسب فقط على الكيلووات الجديد بالسعر الأعلى، بل يُعاد احتساب ما سبق استهلاكه بأثر رجعي على أساس الشريحة الأعلى، وكأن المستهلك ارتكب خطأ يستحق العقوبة مرتين.
هذا ما دفع البعض إلى القول إن الحكومة «تسطو على المواطنين» تحت مسمى الشرائح، وإن الأمر أقرب إلى جباية غير مبررة من كونه نظامًا عادلاً لتوزيع الأعباء.
فلسفة الشرائح وُضعت أساسًا لتحقيق العدالة الاجتماعية، المستهلك البسيط يدفع أقل، والمستهلك الكثيف يتحمل تكلفة أكبر.
لكن غياب آلية شفافة للتنبيه داخل العدادات جعل التطبيق ينقلب إلى ضده؛ إذ لا يعرف المستهلك أنه تجاوز الشريحة إلا لحظة الشحن، حيث يُفاجأ بالخصم الكبير.
بهذا تحولت العدالة المفترضة إلى شعور عام بالغبن، حتى باتت أصوات عديدة تصف هذه السياسة بأنها «عقاب جماعي مقنَّع».
هذه الأزمة تذكرنا بما كتبه ابن خلدون قبل أكثر من ستة قرون، ففي مقدمته الشهيرة يقول: «أعلم أن الجباية في أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة… ثم إذا تزايدت عوائد الدولة ونفقاتها، احتاج السلطان إلى الزيادة في الوزائع… ثم لا تزال الجباية تزداد شيئًا فشيئًا حتى تبلغ غايتها في الاستكثار، فيذهب الأمل من الاعتمار والتسبب».
بعبارة أخرى، حين تُرهق الدولة الناس بالجباية، يضعف نشاطهم الاقتصادي، ويقل العمران، ومعه تتراجع موارد الدولة نفسها، وهو ما يلخصه ابن خلدون بعبارته الحاسمة: «إذا فسد العمران فسدت الدولة».
صحيح أن عدادات الكهرباء لا تُقارن بجبايات القرون الوسطى، لكن منطقها يشبه ما حذر منه ابن خلدون، المواطن يدفع، لكن لا يشعر بالعدل أو الشفافية، فيفقد الحافز على الاستهلاك الرشيد والثقة في السياسات، فالجباية في النهاية ليست مجرد مال يُحصَّل، بل هي عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع.
ولذا فالمطلوب ليس إلغاء نظام الشرائح، بل إصلاح آلية التطبيق، ليشمل على نظام لتنبيه المستهلك بوضوح عند اقترابه من نهاية الشريحة، احتساب الاستهلاك تصاعديًا لحظة بلحظة، بدلًا من الخصم بأثر رجعي، تقديم كشف حساب دوري يوضح للمستهلك مسار استهلاكه وشرائحه.
وهكذا يمكن أن يتحول العداد الذكي إلى أداة شفافية، لا أداة جباية.
وخلاصة القول ان ابن خلدون علّمنا أن الدولة تقوى بالعدل وتنهار بالجباية المفرطة، وما يجري اليوم مع العدادات مسبقة الدفع ليس إلا نسخة حديثة من هذا الدرس القديم، حين يشعر المواطن أن خدمته الأساسية صارت وسيلة جباية غير مبررة، فإن الخلل لا يقتصر على فاتورة الكهرباء، بل يمتد إلى العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
الرسالة التي يجب أن تصل هي أن الجباية إذا لم تُبنَ على عدالة وشفافية، فهي بداية أزمة ثقة، وأزمات الثقة أخطر على الدول من أي عجز مالي.
وختاما إن الدرس الخلدوني واضح، العدل يقيم الدول، والجباية المفرطة تهدمها. فهل نسمع؟.











